فهرس الكتاب

الصفحة 3816 من 27364

الاثنين:08/04/2002

(الشبكة الإسلامية) رسالة لندن

يبدو أن العولمة بدأت تدق أبواب الدول التي كانت تظن أن حيادها وعدم انضمامها للأمم المتحدة سيعفيها من آثار العولمة ومتطلباتها، فإذا بالعولمة تجذبها من رقبتها إلى آتونها الصاخب في الأمم المتحدة .. فالاستفتاء الشعبي الذي أجري في سويسرا يوم الأحد الماضي ليس بالحدث العابر في تاريخ هذا البلد. فالموافقة الصعبة التي أبداها السويسريون لانضمام بلادهم إلى الأمم المتحدة تكشف عن تراجعهم عن قناعات تقليدية راسخة، تحت وطأة الكثير من المتغيرات التي أفاقوا عليها في السنوات الأخيرة.

فالسويسريون الذين حسبوا لعهد طويل أنّ بإمكانهم العيش في قلب العالم وبمعزل عنه في الوقت ذاته؛ انتابتهم الهواجس في الآونة الأخيرة وهم يرون بلادهم وقد تحولت إلى جزيرة صغيرة في محيط القارة الموحدة.

وإذا كان الفخر بالاستقرار الاقتصادي للبلاد هو أحد البواعث المفهومة على التمسك بسياسة الحياد الصارمة والاستغناء عن الدخول في أطر وتحالفات دولية أو إقليمية؛ فإنّ الصورة الزاهية للاقتصاد السويسري لم تعد في حقيقة الأمر كما كانت عليه حتى سنوات قليلة خلت.

فالشعور بانعكاسات العولمة على الكيانات الاقتصادية الصغيرة بدا طاغياً، ولعلّ هذا تحديداً ما جعل سويسرا من بين الدول التي تنشط فيها الحركات المناهضة للعولمة الاقتصادية. ولكن الثمن الباهظ كان قد دفعه الاقتصاد السويسري في العام المنصرم، بإفلاس شركة الطيران السويسري العريقة"سويس إير"، بعد أن بقيت بمنأى عن تحالفات الحيتان في سوق النقل الجوي واكتفت بالشراكة مع خطوط طيران متواضعة الحجم.

وكان ملاحظاً بالتالي أنّ انهيار الشركة التي تجمع بين الفخامة والانضباط والرونق الخاص؛ قد أثار حساسية السويسريين أكثر من أي شيء آخر، فالأمر يتعلق هنا بشركة رائدة لخصت قصة النجاح الاقتصادي لهذا البلد الواقع بين أحضان الألب.

وبعد أن ارتبطت العلامة التجارية لـ"سويس إير"بالإيحاءات الرمزية لبلد تقليدي وثري وفاخر ومنضبط في الوقت ذاته؛ أصبح مشهد طائراتها المصطفة في مطارات البلاد باعثاً على الأسى والحسرة، ومثيراً لرومانسية الماضي وأشجانه.

وليس ببعيد عن هذا التدهور؛ عرفت الصورة التقليدية الحسنة للاتحاد السويسري الكثير من التداعيات التي خدشتها في السنوات الأخيرة. إذ أنّ حملات التعويض عن قضايا"الحسابات المنسية"و"الذهب النازي"والمنسوبة للمصارف السويسرية إبان الحقبة الهتلرية في ألمانيا؛ أثارت الشكوك في الخارج بشأن موارد الثراء التي ينعم بها هذا الشعب هادئ الطباع.

أما صورة سويسرا المحايدة والإنسانية التي برزت بقوة من خلال أدائها السياسي خلال الحرب العالمية الثانية، التي أحرقت الأخضر واليابس من حولها؛ فقد بهتت كثيراً بعد أن خرجت قبل سنتين لجنة المؤرخين المختصة بالتحقق من هذه الممارسات، والمعروفة بلجنة بيرغيه، بتقاريرها التي تدين بعض السياسات التي اتبعتها السلطات السويسرية آنذاك.

وذهبت اللجنة المذكورة إلى أنّ سويسرا لم تفتح حدودها لاستقبال كلِّ اليهود الذين فرّوا من النازية، رغم استقبالها لأعداد غفيرة من اللاجئين اليهود بالفعل في تلك الحقبة.

والمؤكد أنّ هذه الملاحظات التي أثارت جدلاً عارماً، تعني الكثير بالنسبة لبلد يفخر بإيوائه الفارين من الاضطهاد.

في ظل هذه التطورات الهامة كانت تحولات لا تقل أهمية تجري في الظل؛ فقد اكتشف السويسريون العالم كما لم يعرفوه من قبل؛ من خلال الفرص التي أتاحتها ثورة الاتصالات وتقنيات الإعلام المستحدثة. ولا ريب في أنّ هذا يعني الكثير بالنسبة للمواطن السويسري التقليدي الذي يفضل الاستماع إلى إذاعته المحلية التي تنطق باللهجة الدارجة في الكانتون الذي يقطن فيه، ويمنح الأولوية لقراءة الصحف المناطقية التي لا تبدي اكتراثاً كبيراً بما يجري خلف الجبل الذي يسكن على سفحه.

وقد احتك السويسريون بثقافات جديدة عن كثب، ليس فقط من خلال ازدهار الحركة الثقافية والتعليمية في بلادهم، أو عبر انتعاش السياحة السويسرية إلى أنحاء العالم؛ ولكن من خلال وجود مليون أجنبي في هذا البلد أيضاً.

وقد كانت للخبرات الجديدة مع"الآخرين"مضاعفاتها الماثلة في انتعاش اليمين السياسي المعادي للأجانب واللاجئين، وفي تصاعد الجدل في بعض الكانتونات السويسرية الناطقة بالألمانية بشأن كيفية التصرف مع أبناء الأجانب في المدارس ، الذين يُنظر إليهم في العادة على أنهم يعرقلون تعلم أبناء السويسريين للغتهم الأم، بل وربما على أنهم محدودو الذكاء.

ولكن في المحصلة ظهر بجلاء تام كيف تركت التطورات التي عرفها السويسريون آثارها على اختيارهم في استفتاء الأحد الماضي، فالانضمام إلى الأمم المتحدة لم يعد قضية تحتمل مزيداً من التلكؤ والانتظار، حتى وإن جاءت الموافقة على مضض.

أما الأهم؛ فهو أنّ السويسريين قد يضطرون في السنوات المقبلة إلى مراجعة موقفهم الرافض لعضوية الاتحاد الأوروبي أيضاً، وهو خيار أشد وطأة على نفوسهم على كل حال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت