فهرس الكتاب

الصفحة 25770 من 27364

صورة الإعدام: مدخل لكشف العيوب الثقافية

علي أحمد الحمدان 3/1/1428

لم يكن يوم عيد الأضحى هذه المرة يوماً عادياً، بل أصبح"علامة ثقافية"بارزة و عالمية. فهو اليوم الذي أفاق فيه الناس على أخبار أشاعت أن حكم الإعدام على الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد تم تنفيذه، و بدأ جدل كبير حول صحة هذا الخبر من عدمه، لكنها لم تمض مدة بسيطة حتى بثت القناة العراقية مقاطع من مشهد الإعدام، فجاءت"الصورة"بالخبر اليقين الذي قطع كل خيوط الشك.

لم تمض"الصورة"التلفازية هذه المرة مروراً عابراً كما حدث مع كثير من أخواتها، فقد حظيت باهتمام كبير و موجة واسعة من ردود الأفعال العميقة، اشترك فيها"الكل"من سياسيين و مثقفين و رجال دين. و فوق هولاء، أدخلت"الصورة"بإمكانياتها الجديدة و بتحالف مع شقيقتها"الشبكة العنكبوتية"أطرافاً جديدة تم إقصاؤها تاريخياً عن كل ما يتعلق بمثل هذا النوع من التفاعل العام، فأصحبت"الصورة"بسبب ذلك حدثا جماهيرياً، و مجال قول عام و مطلق، و"نصاً ثقافياً"كونياً أصبح مرجعاً مقدساً لكل القضايا الثقافية الحساسة.

كانت صورة القناة العراقية صورة صامتة، يمكن أن تستوعب مجموعة ضخمة من التأويلات المتنوعة المنطقية و غير المنطقية، لكن مقطعاً آخر تم تسريبه أعطى للصورة أبعاداً دقيقة مزجت بين العناصر الأيدلوجية و الدينية و السياسية و العرقية. و على الرغم من أن آلات التصوير كانت بدائية نسبياً من ناحية القدارات، إلاّ أنها امتلكت -عن طريق قدرتها على المزج العميق و السريع بين هذه العناصر في هذا المشهد-"مؤثرات"بصرية و عقلية لم تتوفر في أي صورة أخرى تحمل كل إمكانيات الإخراج السينمائي الحديثة، و كان من انعكاسات هذا أن فرضت علينا الاحتكاك المباشر مع مجموعة من الأسئلة الثقافية الحساسة.

الكل يعرف أن الحديث حول بعض القضايا و المصطلحات مثل"التطرف الديني"، و"الطائفية"، و"الدكتاتورية"، و"السياسات الدولية"، و"الأيديولوجيا"، و"التميزات العرقية"الخ، ليس جديداً على الساحة الثقافية. فقد تنوعت الدراسات و المقالات التي بحثت كل هذه الأمور من أكثر من زاوية و على مدى سنوات طويلة، و كانت إفرازاتها تعتمد -عموماً- على نظام ذهني محدد يعتمد على بعض القوانين المنطقية التي تستحضر بعض السياقات الثقافية و الحضارية كأساس لتحليل و كشف المصطلحات و تفسير الأحداث و استخلاص النتائج، و لكل قاعدة شواذ!

لكننا لم نكن هذه المرة أمام جدل اعتيادي، فقد جاءت"صورة"الإعدام و معها عاصفة عاتية هزت معها أركان المشهد الثقافي و السياسي، لتخلف بعدها كل المحاور المطروحة بلا معالم قد تدلنا على سياقها التاريخي و الثقافي. فـ"الصورة"قد أصبحت"ناسخاً""معطلاً"لكل ما سواها من منجزات ثقافية تقليدية. و بلغت قوتها النسخية أن أصبحت المصدر التأويلي لكل ما بعدها، فكان في هذا توجيهاً نوعياً للحراك الثقافي، و هذا يتمثل جيداً في بعض المواقف المذهلة و المفاجئة و التغيرات الحادة التي كشفت عن أنساق مضمرة و عيوب متجذرة في الخطاب الثقافي بكل أبعاده. فقد وجدت أن ردود الأفعال عموماً كانت متعارضة مع مسار"المنتجات الثقافية"، و ما أعلنته حول كثير من القضايا قبل هبوب هذه"العاصفة البصرية"!

لقد كانت أعيننا في مواجهة مع"صورة"تترجم كـ"نص"ثقافي كل عناصر"الهيمنة"أو"الدكتاتورية"الثقافية، فهي تحتكر بين دفتيها كل ما يغري لتحليل و معالجة المصطلحات و القضايا الكبرى لدرجة أنها قامت بتزهيد الناس -جماهير و نخباً على حد سواء- بغيرها مهما كانت قوته و أصالته الثقافية.

عندما بدأت أقلب صفحات الجرائد، و أتصفح الشبكة العنكبوتية لأتعرف على ردود الأفعال، وجدت أن"الصورة"كانت كالحلقة المفقودة التي ينتظرها الجميع ليحسموا كل شيء على المشهد الثقافي العام. فأغلب المقالات و التصاريح حفلت بمجموعة من النتائج المحددة و القطعية. و هنا عادت الذاكرة بضع سنوات إلى الوراء لتستقر على الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، و حينها التقت بمشهد الرئيس بوش و هو يتحدث لأول مرة بعد تفجير البرجين، و العالم كله في ترقب شديد، لتكون كلمته نقلة ثقافية حادة حصرت الحديث عن"الإرهاب"في هذه الصورة، فأمات حينها آلاف التقارير و الأبحاث المعنية بتفسير مصطلح عميق مثل مصطلح"الإرهاب". و لم تكن كل المحاولات و المؤتمرات التي عُقدت لبحث هذا المصطلح فيما بعد تنتهي إلى نتائج عملية أو معرفية. و السبب في ذلك أنها مؤتمرات بلا"صورة"كتلك التي كانت عند الرئيس بوش وحده، و عندها ظهرت مصطلحات الفكر و نتائج البحث العلمي تقليدية و بالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت