[الكاتب: أبو سعد العاملي]
الحمد لله الذي أنزل الفرقان ليكون للعالمين نذيراً، القائل {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وهادياً بإذنه وسراجاً منيراً، الذي خاطبه رب العزة بقوله {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك} ، وبعد
كثيرة هي البحوث والمقالات والكتب التي كتبت عن الديموقراطية، سواء لتزكيتها أو ذمها، والمجمع عليه هو أن الديموقراطية قد أصبحت ديناً جديداً، لها شرائعها وحدودها من حلال وحرام وشروط الانتماء إليها، مثلها مثل بقية الديانات الأخرى.
كما أن للديموقراطية - شأنها شأن باقي المذاهب والطرائق الوضعية أو المحرفة - سلبياتها وإيجابياتها، بعيداً عن كل الأهواء والحزازات، يكفي أن تكون من صنع البشر ليطالها النقص والعجز. فلكل شيء في هذا الوجود منافع ومفاسد، والحكم الشرعي بُغَلِّبُ دائماً المصلحة على المفسدة، وهو الأساس والمنطلق لتحريم الأشياء أو تحليلها، فمتى غلبت مفسدة الشيء على مصلحته صار حراماً، والعكس صحيح.
فحتى الخمر والميسر - اللذان يبدو ضررها وفسادهما واضحاً للعيان - ذكر الله سبحانه وتعالى السبب الحقيقي لتحريمها ولم ينكر أن فيهما منافع للناس {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة] .
لا أريد أن أعيد ما قيل وكُتب عن الديموقراطية انطلاقاً من ميزان الشرع الحنيف، فقد أجاد الكثير من علمائنا العاملين، وبينوا المفاسد والآثام الكبيرة لهذا"الدين الجديد"إلى جانب منافعه المعدودة والمحدودة، التي استغلها الناس في مجالات الإفساد أكثر مما استعملوها في مجالات الإصلاح. [1]
صلب الديموقراطية وجوهرها ؛
تقوم الديموقراطية أساساً على فصل الدين عن الدولة وتأليه الإنسان وجعله رباً من دون الله، يشرع ويسن القوانين وفق ما يراه موافقاً لأهواء للناس.
ويُعتبر الدين بالنسبة للديموقراطية العدو الأول والأكبر، كونه يحجم من صلاحياتها ويحاول منافستها في مجال الحكم ثم في المجال الاجتماعي والثقافي بصفة خاصة، حيث تعطي الديموقراطية الحرية المطلقة غير المحدودة - للفرد والجماعة - لممارسة ما يحلو لهم من عادات، واعتقاد ونشر كل ما يرونه موافقاً لأهوائهم حتى وإن كان ذلك مناقضاً ومهدماً للأخلاق والقيم.
كما أن الديموقراطية تسعى إلى هدم كل الحواجر والفوارق الفطرية بين الجنسين، ليتحول المجتمع الإنساني إلى مجتمع بهيمي، تنتشر فيه الفوضى والإباحية وتنخره من الداخل فيصبح قاعاً صفصفاً وخراباً بعد عمار.
هذه أهم الأسس التي يقوم عليها هذا الدين الجديد، المناقض - أصلاً وفصلاً - لدين الله تعالى، وهي الأهداف التي يتوخى أعداؤنا ترسيخها في مجتمعاتنا لكي يبعدوا العباد عن ربهم ويهدموا عقيدتهم ويستبدلوها بعقيدة اللذة والشهوة والهوى، واتخاذ مجموعة من السفلة والسفهاء أرباباً من دون الله، يشرعون لهم من الدين ما لم يأذن به الله، مصداقاً لقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى 21] .
ديموقراطية الكفار وديموقراطية المرتدين ؛
وإن كنا لا نريد أن نصل إلى هذا التقسيم، لأن الديموقراطية كفر، والكفر ملة واحدة، وإن تعددت أشكاله وألوانه، ولكن لابد من الإشارة إلى أن هناك ما هو كفر وما هو زيادة في الكفر، لنبين خطورة الديموقراطية المطبقة في بلداننا والفرق الشاسع بينها وبين الديموقراطية الكفرية في بلاد الغرب.
ففي الجانب السياسي مثلاً، تجد بعض النزاهة والشفافية في اختيار الممثلين عن الشعب في المؤسسات التشريعية، ثم تتشكل الحكومة - وفقاً لنصوص الديموقراطية - من الحزب الحاصل على الأغلبية المطلقة أو بتشكيل حكومة ائتلافية من طرف الأحزاب الأكثر تمثيلاً في المؤسسة التشريعية، ثم يكون لهذه الحكومة بعض الصلاحيات الواضحة والاستقلالية في اتخاذ القرارات والآليات اللازمة لتنفيذ برامجها السياسية على مدى فترة حكمها، دون أن يكون لرئيس الدولة أو الملك أي سلطة على هذه الحكومة، إلا إذا ارتأت هي أن تنسحب وتقدم استقالتها قبل انتهاء مدة حكمها، أو يقدم بعض أعضائها على الانسحاب بسبب بعض الفضائح السياسية أو الأخطاء الفادحة، ليُعوَّضوا بأعضاء جدد.