فهرس الكتاب

الصفحة 27031 من 27364

د. عبد الحليم عويس

إهداء

لا أزال أؤمن بأن ثمة دورا كبيرا ينتظر الأمة المسلمة ، ولا أزال أؤمن بأن حركة التاريخ التي هي من سنن الله سوف توقف هذه الأمة أمام قدرها المحتوم . . لتؤدي واجبها نحو البشرية التائهة . .

فإلى الذين يساعدون التاريخ ، كي تقف هذه الأمة في مكانها الصحيح . . وكي تؤدي دورها الصحيح . . .

إليهم . . وحدهم . . أهدي هذا الكتاب

بين يدي هذه الصفحات

المكتبة الإسلامية والتاريخية حافلة بالدراسات والقصص حول الصفحات الوضيئة من تاريخنا . ولكم كتب الكاتبون حول صناع الحضارة الإسلامية ، ولكم أطنبوا في الحديث عن أبطالنا ، وعن فضلنا على أوربا . . وغير أوربا .

ولقد ظهر تاريخنا من خلال التركيز ، وكأنه تاريخ أسطوري ، وكأن الذين عاشوه وأسهموا في صنعه ملائكة ليسوا بشرا . . ! !

ولقد كان هذا المنهج في التناول خطيرا من عدة وجوه:

أولا: لأنه ترك مهمة التحليل العلمي لتاريخنا كتاريخ بشر لهم مزايا وغرائز - لأعداء هذا التاريخ ، فراحوا يركزون على الجوانب السلبية في هذا التاريخ ، وصادف هذا هوى من بعض العقليات التي كانت تسأم التركيز على الماضي بهذه الصورة غير الموضوعية ، وبالتالي . . انساقت هذه العقليات وراء جماعة المستشرقين الذين يدرسون تاريخنا . . . من نقطة الانطلاق المحددة ، وهي تشويه هذا التاريخ وأصحاب هذا التاريخ ! !

ثانيا: وفي غمرة الانبهار العقلي بالمناهج الاستشراقية . . ضاعت بحكم رد الفعل حقائق موضوعية تتصل بهذا التاريخ ، وانقسم الناس حول هذا التاريخ قسمين: قسم يرفضه بالجملة ، ويراه عقبة في طريق التقدم والمستقبل ، وقسم آخر يراه كل شيء ، ويراه من جانبه العالمي الإيجابي هو النموذج الحرفي الذي يجب إعادته وتكرار نمطه .

وبين طرفي النقيض . . يمكن أن توجد الحقيقة ، ويمكن أيضا أن تسقط الحقيقة . ! !

ثالثا: لقد صرفنا منهج التركيز على المدح عن الاستفادة الحقيقية من تاريخنا ، ولعل بعض الناس قد وقر في أذهانهم بفعل هذا التركيز ، أن ما نعانيه في هذا القرن من مشكلات حضارية ، ومن تحديات مصيرية ، هو نموذج لم يتكرر في تاريخنا . . وهم يشعرون - لذلك - بيأس شديد ، ولعلهم يحسون ، وإن كانوا لا يفصحون بأننا لن نعود إلى استئناف مسيرتنا - نحن المسلمين - وبأننا لم يعد لدينا ما يمكن أن نعطيه للحياة في عصر القوة النووية والمركبات الفضائية ، نحن الذين نستورد الساعات والسيارات والآلات البسيطة ! ! .

إن هذا الكتاب . . يتناول"أوراقا ذابلة من حضارتنا"من خلال تركيزه على سقوط دول إسلامية بعضها كان درسا أبديا حين كانت الأمراض خبيثة وفتاكة ، وحينما ذهبنا نطلب الدواء من عدونا . . فكانت فرصته لإعطائنا السموم القاتلة . . ولعل هذا الدرس لم يتضح بجلاء إلا في الأندلس وجزر البحر الأبيض المتوسط كصقلية . .

ولعل من الملاحظات التاريخية أن القرن الذي شاهد سقوط غرناطة - آخر مصارعنا في الأندلس ( 1492م ) كان نفسه الذي شاهد سنة 1453م - الفتح الإسلامي الخالد للقسطنطينية ، ذلك الفتح الذي كان من آثاره عند الإنصاف التاريخي حماية المسلمين لفترة تزيد على خمسة قرون . .

لقد سقطت الأندلس . . كعضو اجتمعت فيه كل عناصر السقوط ، وكان لا بد من بتره . . فحقت عليه كلمة الله ! !

ولقد ظهرت قوة أخرى فتية زاحفة من أواسط آسيا كي تبني للإسلام تاريخا جديدا . . ولقد أرعبت هذه القوةُ الأحقادَ الأوربية الصليبية ثلاثة قرون على الأقل .

إن درس الأندلس لا يجوز أن يغيب عن بالنا ، ولقد كانت عناصر السقوط فيه تتشكل من عدة نقاط بارزة:

أولا: الصراع العنصري الجنسي

ثانيا: ارتفاع رايات متعددة بعيدة عن راية الإسلام الواحدة المتصلة بالنفوس والعقول .

ثالثا: استعانة مسلمي الأندلس بالأعداء ضد بعضهم البعض . . .

وكل العوامل الأخرى . . تدور حول هذه النقاط بطريقة أو بأخرى ! ! ولقد دفع مسلمو الأندلس جميعا ثمن أخطائهم: دفع الحكام الثمن حين أذلهم الله وسلبهم ممالكهم ، وهل ننسى أشعار ابن عباد البائسة ، حين أذله الله على يد المرابطين في"أغمات"بالمغرب الأقصى ؟ ؟ وهل ننسى قولة ابن صمادح حاكم"ألمرية"وهو يموت:"نغص علينا كل شيء حتى الموت"؟ وهل ننسى دموع . . أبي عبد الله - آخر ملوك غرناطة . . حين رحلت به سفينة العار مودعة آخر وجود إسلامي في أوربا . . رحلت به على أنغام الأمواج الهائجة . . وكلمات أمه المسكينة تدوي في سمعه:"ابك مثل النساء ملكا لم تحفظه حفظ الرجال"! !

ولقد دفع الشعب الإسلامي الثمن حين استسلم لأمثال هؤلاء الملوك . ولم يأخذ على أيديهم ، فأحرقت دوره ، وسلبت أمواله ، وأرغم على تبديل دينه ، بل وتغيير اسمه ، وحرمته الصليبية الآثمة أبسط حقوق الإنسان ! !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت