حسام تمام
د. مصطفى حلمي
ربما لم يُظلم في عالم الفكر والفلسفة مصطلح كما ظُلمت السلفية؛ فقد ظلت في الدرس الفلسفي والوعي الثقافي العربي لزمن طويل عنوانا على الرجعية والتخلف؛ في الوقت الذي ظلت فيه -وهذه هي المفارقة- عقيدة عموم مسلمي أهل السنة والقاعدة الأساسية لمعظم حركات التجديد والإصلاح الإسلامية في العصر الحديث!!
وربما وجدت السلفية من يتبناها ويجدد فيها ويدافع عنها دعويا وحركيا؛ لكنها لم تجد من يعكف على خدمتها ويجددها فلسفيا في العصر الحديث إلا قليلا، ومن هؤلاء القليل وعلى رأسهم يأتي الدكتور مصطفى حلمي (وُلد 10-11-1932م) أستاذ الفلسفة الإسلامية الذي يمكن أن يعد صاحب أهم الدراسات الفلسفية عن السلفية في العالم العربي.
السيرة العلمية
لا نستطيع الحديث عن جهود الدكتور مصطفى حلمي دون استعراض سيرته العلمية التي لن تنفصل عن مشروعه الفكري؛ فقد توجه الرجل لدراسة الفلسفة عن قناعة ورغبة في خدمة العقيدة الإسلامية فتخصص فيها متأخرا؛ إذ حصل على ليسانس الآداب في الفلسفة وعلم النفس والاجتماع من كلية الآداب جامعة الإسكندرية (عام 1960) ، وكان قد قارب الثلاثين، ثم أكمل رحلته العلمية فحصل على درجة الماجستير من الكلية نفسها عام 1967 عن:"الإمامة (الخلافة) عند أهل السنة والجماعة"، ثم حصل على درجة الدكتوراة من الكلية نفسها 1971م، وكانت عن"موقف المدرسة السلفية من التصوف منذ بدايته حتى العصر الحديث".
بعد ذلك أخذ طريق العمل الأكاديمي؛ فعُين مدرسا للفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة 1972م، وظل فيها إلى أن أحيل للتقاعد أستاذا غير متفرغ بعد بلوغه السبعين في العام الماضي (2002) ، وفي هذه الأثناء أعير لأكثر من جامعة إسلامية؛ فعمل بتدريس الفلسفة الإسلامية في جامعة الرياض (الملك سعود حاليا) من 1972 إلى 1980. ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية العالمية في باكستان من 1986 - 1987، ثم جامعة أم القرى بمكة المكرمة من 1987 إلى 1992م.
مشروع للدفاع عن أهل السنة
أما إذا تحدثنا عن مشروعه الفكري فيمكن القول إن منطلقه هو الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة الخالصة النقية من الانحراف والزيغ، ومجاله هو الفلسفة، ومحاوره خمسة هي: السلفية، والتصوف، والفكر السياسي الإسلامي، وأسلمة العلوم، والغزو الثقافي، وقدم فيه نحو 30 كتابا ما بين تأليف وتحقيق؛ لا يخلو أي منها من إضافة وتجديد بدرجات متفاوتة، كان أهم جهوده على الإطلاق وهي تعد إبداعا في الفلسفة الإسلامية المعاصرة دراساته عن السلفية والتي كانت نقلة في مجال مناهج دراسة الفلسفة الإسلامية في القرن الماضي (العشرين) ، ونال عنها جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية ( عام 1987) .
السلفية.. المفترى عليها
كانت السلفية كلمة سيئة السمعة على المستوى الفلسفي؛ فكانت مستبعدة منه تماما، وكانت مناهج دراسة الفلسفة الإسلامية في جامعات العالم الإسلامي -مثلها مثل الجامعات الأوربية- تقتصر على الفرق الكلامية المختلفة عن مذهب أهل السنة والحديث وعلى رأسها المعتزلة، أو تهتم بالبحث عن الصلات بين معتقدات هذه الفرق وبين المصادر الخارجية من عقائد وأديان وفلسفات يونانية وفارسية.. ولم يكن الدرس الفلسفي ومناهجه يُعنى بالسلفية أو أهل السنة والحديث، وكذلك لم ير لديهم ما يستحق الدراسة باعتبار أن السلفية ضد العقل بالأساس؛ ومن ثم فليس فيها جانب عقلي فلسفي يستحق الدراسة.
كما كان مفهوم السلفية نفسه مختلطا في الفكر الإسلامي الحديث، ويختلط فيه المنهج والنموذج بالمذهب الذي يتبنى آراء فقهية بعينها وبجماعات تنسب نفسها إلى السلفية، كما كانت السلفية في الوعي الثقافي قرينة للرجعية، وضد التقدم، وذلك بتأثير الرؤية الغربية التي أصّلت مبدأ النظر إلى السلفية كمرادف للتأخر والرجعية والعداء للتحضر والعقلانية، ثم جاءت كتابات مصطفى حلمي عن السلفية؛ لتحدث ما يمكن أن نعده انقلابا أعاد رسم الصورة السلفية في الفكر والفلسفة والثقافة الإسلامية العامة. وله في هذا المجال ثلاثة كتب رئيسية.
الكتاب الأول هو"منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين (علم الكلام) "، وفيه يكشف عن خطأ النظرة الفلسفية السائدة التي تقصر"علم الكلام"على الفرق الكلامية الخارجة عن أهل السنة والحديث، ويتحدث المؤلف عن علم كلام سني غير علم الكلام البدعي الذي هاجمه ورفضه أئمة أهل السنة والحديث، وهذا العلم هو المتعلق بالجانب العقلي في النصوص الدينية والذي سماه الإمام السفاريني"علم التوحيد"، وأصل لهذه الفكرة التي تقوم على أن النظر عند أهل السنة والحديث للنصوص الدينية كان باعتبارها نصوصا عقلية شرعية، وأن هذا النظر لا يتعارض فيه العقل مع النقل، وأبرز هذه الرؤية من خلال دراسة وافية لمنهج ابن تيمية أحد أعلام أهل السنة والحديث والذي يرفض تعارض النصوص الشرعية مع الأدلة العقلية، ويضع الشرع ضد البدعة وليس العقل.