الفقر
هنالك فرق كبير بين المصطلحين العالمية والعولمة. فالمصطلح الأول يعني أن أبناء هذا العالم بمختلف قبائله وشعوبه ولغاته وملله ونحله، يعيشون على هذه الأرض، فلا بد أن يتفاهموا فيما بينهم، تمهيداً للتعاون الدائم على خير الجميع، ولا مانع من أن يأخذ بعضهم من بعض. ولا يجوز أن يفرض بعضهم على بعض لغته أو دينه أو مبادئه أو موازينه. فالاختلاف في هذا الإطار طبيعي جداً، والتعاون ضروري أبداً، لمنع الصدام والحروب والعدوان.
وهذه العملية العالمية قد تُسمى بالتثاقف الحضاري بين الشعوب والأمم، وهي واقع البشرية منذ أقدم العصور إلى اليوم، فاللغات تلاحقت والمجتمعات تعاونت والحضارات عبرت من مكان إلى مكان.
والحروب والمظالم التي قامت ويمكن أن تقوم بين أبناء البشرية، تستنكرها العقول السليمة، ومبادئ الأديان الحقة، والمصالح المشتركة. لأن سعادة البشرية مطلوبة لذاتها، والتعاون فيما بينها على الخير من أعظم الفضائل التي تقرها وتشجع عليها القيم الفاضلة، التي أجمع عليها البشر في هذه الحياة.
وأوضح مثال على ذلك الإسلام، فعندما جاء خاتمًا للأديان وهداية للعالمين، دعا الناس إلى عقيدته وشريعته وقيمه الأخلاقية، من خلال الدعوة الوادعة، والجدال الحسن، دون إكراه لأحد، ومعترفًا بواقع الخلاف الموجود في الأرض، منطلقًا من القرآن الذي يقول: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (1) وقوله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} (2) . وقوله: { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} (3) ، وقوله: { لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (4) .
وقد بُنيت هذه التوجيهات الربانية على قوله تعالى: { الحمد لله رب العالمين} ولم يقل ربّ المسلمين فحسب. لماذا ؟ لأن هذه الدار دار عمل للجميع وليست دار جزاء، وإنما الجزاء يكون في الآخرة. قال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} (5) .
وهذا تاريخ البشرية عامة، وتاريخ الإسلام خاصة، لم يرد فيه دليل على أن المسلمين رسموا للبشرية طريقًا واحدًا ووجهة واحدة وحكمًا واحدًا ونظامًا واحدًا وعالمًا واحدًا بقيادة واحدة بالإجبار والإكراه.
بل اعترفوا كما ذكرنا بواقع الأديان واللغات والقوميات، عاملوها معاملة كريمة، بلا خداع ولا سفه ولا طعن من الخلف؛ ولذلك عاش في المجتمع الإسلامي اليهودي والنصراني والصابئي والمجوسي وسائر أهل الشرك بأمان واطمئنان (6) .
وأما الأمم التي كانت تعيش خارج العالم الإسلامي، فقد عقدت الدولة الإسلامية معها مواثيق ومعاهدات في قضايا الحياة المتنوعة. ومن الممكن مراجعة ذلك في الكتب التي تتحدث عن العلاقات الدولية في التشريع الإسلامي (7) .
والتوجيه الأساس في بناء العلاقات الدولية في الإسلام قوله تعالى { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (8) .
أما العولمة التي هي الترجمة العربية للكلمة الإنجليزية Globalization فهي مصطلح يعني جعل العالم عالمًا واحدًا، موجهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة (9) .
يقول الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي عن العولمة:"نظام يُمكّن الأقوياء من فرض الدكتاتوريات اللاإنسانية التي تسمح بافتراس المستضعفين بذريعة التبادل الحر وحرية السوق" (10) .
ويثبت هانس بيترمارتن وهارالد شومان، صاحبا كتاب فخ العولمة أن العولمة هي عملية الوصول بالبشرية إلى نمط واحد في التغيير والأكل والملبس والعادات والتقاليد (11) .
ويقول جيمس روزانو، أحد علماء السياسة الأمريكيين عن العولمة:"إنها العلاقة بين مستويات متعددة لتحليل الاقتصاد والسياسة والثقافة والأيديولوجيا، وتشمل: إعادة الإنتاج، وتداخل الصناعات عبر الحدود، وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول نتيجة الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة" (12) .