فهرس الكتاب

الصفحة 3408 من 27364

د.محمد عبدالرحمن غنيم

هل العولمة مرفوضة؟ ولماذا نرفضها؟ ولماذا كانت الإنترنت وسيلةً من وسائل العولمة؟ وما أثر ذلك على حياتنا وخصوصاً ثقافتنا التي يُشكِّل عمودَها الفقريَّ دينُنا الإسلام؟ وما الحلولُ المقترحة للدفاع عن وجودنا المعنويَّ - وهو دينُنا - ووجودنا الماديِّ الذي يتبع وجودَنا المعنويَّ، فيبقى ببقائه ويزولُ بزواله؟

وهل من سبيل أن ينقلبَ السحرُ على السَّاحرِ، فتكون الإنترنتُ - التي أراد الساحر الأمريكي أن تكون أداة لإذابتنا - أداة لرجوعنا إلى ديننا وثقافتنا؟ فكيف نجعلها أداةً قويةً في دعم حضارتنا وديننا، بل وجذب الطرف الآخر ليدخلَ في ديننا وحضارتنا، وكما في المَثَل العاميِّ (تِيجي تُصيده يصيدك) أو (مَن حفر حفرة لأخيه وقعَ فيها) ؟

وسأحاول في هذه الفقرات وضع نقاط مختصرة هي رؤوس عناوين في هذه الموضوعات التي هي جديرة بأن يُؤلَّف فيها كتبٌ لا مقالةٌ ولكن ما لا يُدرك كُلُّه لا يُترك جُلُّه والله المستعان، فأقول:

أولاً: هل العولمة مرفوضة؟

والجواب على هذا السؤال يمكن أن يتضح بعد تعريف (العولمة) ، وبيان الفرق بينها وبين (العالمية) ، وكيف يتم التلبيس على الناس وترويج (العولمة) في ثوب (العالمية) ، فما (العولمة) ؟ وما (العالمية) ؟ وما الفرق بينهما؟

(أ) العولمة: قد تعددت تعاريف العولمة، ولكني قد اخترت التعريف الذي يصدقه الواقع الذي تُطبقه الولايات المتحدة حاملة لواء العولمة عملياً، فالتطبيقُ والواقعُ خيرُ شاهدٍ لصحة هذا التعريف، فنقول:

(العولمة: هي الحالة التي تتم فيها عمليةُ تغيير الأنماطِ والنظم الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ومجموعة القيم والعادات السائدة، وإزالة الفوارق الدينية والقومية والوطنية في إطار تدويل النظام الرأسمالي الحديث، وفق الرؤية الأمريكية المُهيمنة، والتي تزعم أنها سيدةُ الكون، وحاميةُ النظام العالمي الجديد) ( [1] ) .

ويعرفها الدكتور مصطفى محمود فيقول: (العولمة مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ الوطن من وطنيته وقوميته وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي، بحيث لا يبقى منه إلا خادم للقوى الكبرى) .

ولو سألت إنساناً عامياً أن يصفَ لك أفعالَ الولايات المتحدة في العالم - وبخاصة في العالم الإسلامي والعربي - ستجده يشرح لك تلك المعاني التي يحويها التعريف المُتقدِّم دون أن يعرف ما العولمة أو يسمع عنها.

(ب) العالمية: إن الإسلام دين يتميز بالعالمية، والعالمية تعني: عالمية الهدف والغاية والوسيلة، ويرتكز الخطاب القرآني على توجيه رسالة عالمية للناس جميعاً، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء:107] ، وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [سبأ:28] ، ووصف الخالق - عز وجل - نفسه بأنه (رب العالمين) .

(ج) الفرق بين (العولمة) التي جاءت بها الولايات المتحدة و (العالمية) التي جاءت من عند رب العالمين في ضمن رسالة خاتم النبيين والمرسلين:

ثمة فرق بين عالمية الإسلام والعولمة، فالإسلام يقوم على العدل وإنصاف المظلوم، ويرفض الاعتداء، ويعترف بحق الآخر في الدين والرأي المخالف، أما العولمة فتقوم على الظلم، وتفتقد للعدل، وتهدف لصالح الاستكبار الغربي، وضد مصالح الشعوب الفقيرة الأخرى، وفقاً لسياسة التبعية التي تُفسِّر العلاقةَ بين الغرب المتقدم وبين العالم الثالث المتأخر.

يقول أحدُ الكتاب الفرنسيين عن النظام الرأسمالي الأمريكي: (كلما ازداد هذا النظام الرأسمالي الجشع إمعاناً وانتشاراً بالعولمة ازدادت الانتفاضات والحروب العرْقية والقبلية والعنصرية والدينية للتفتيش عن الهوية القومية في المستقبل، وكلما تفشت المعلوماتية والأجهزة التلفزيونية والسلكية واللاسلكية تكبلت الأيدي بقيود العبودية، وازدادت مظاهرُ الوحدة والانعزال والخوف والهلع دون عائلة ولا قبيلة ولا وطن، وكلما ازداد معدل الحياة سوف تزداد وسائل القتل، وكلما ازدادت وسائل الرفاهية سوف تزداد أكثر فأكثر جرائم البربرية والعبودية) .

ثم إن الإسلام يدعو إلى طلب العلم النافع الذي يُفيد الإنسان، ويُحقِّق الخير، ويُحق الحق، وكل ما جاءت به المدنية الحديثة من علوم ومخترعات وابتكارات مما فيها نفع للناس، ويحارب كُلَّ علم ضار فيه فساد الإنسان أو هلاكه، أو إشاعة الشر في حياته، بينما العولمة بخلاف ذلك، فرغم ما أنتجته من المخترعات والابتكارات إلا أنها ابتدعت علوماً ضارة أو ابتكرت ابتكارات مخربة للأخلاق والقيم، ومفسدة بل ومهلكة للإنسان، وحتى المخترعات النافعة في أصلها كالطائرات والإنترنت والتلفاز والمذياع استطاعت هذه الحضارة الخربة أن توجهها وجهة الشر والفساد حتى يصبح الاختراع ضرره أكبر من مصلحته ونفعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت