فهرس الكتاب

الصفحة 6548 من 27364

مجلة البيان - (ج 116 / ص 94)

بقلم: محمد يحيى

تفاخر العلمانية الأوروبية ويتباهى معها وكلاؤها المحليون في البلاد الإسلامية بأن أعظم إنجازاتها كانت في إحلال روح التسامح الديني محل التعصب الذي رمزوا له بمحاكم التفتيش المشهورة في التاريخ، التي لا يذكر أحد في العادة أن الكثير من ضحاياها كانوا من مسلمي الأندلس المقهورة قبل أن يكونوا من النصارى أنفسهم، وأياً كانت الحال فقد أقام العلمانيون وعلى مدى ما يقارب العقد من السنين في بلادنا المسلمة محاكم تفتيش خاصة بهم نصبوها على صفحات الجرائد والمجلات وموجات الأثير ومنابر الثقافة التي سلمت لهم، بل وجُعلت حكراً خاصاً بهم، وراحوا ـ في هذه المحاكم ـ يفتشون الضمائر والنيات ويرمون المسلمين والإسلام بكل نقيصة وجريمة تعن لهم حتى أكثرها غرابة وتهافتاً وبطلاناً، مطمئنين إلى أن الإسلام ليس له من يذب عنه ويحامي في ظل أوضاع فرضت حتى على رؤساء بعض الهيئات الدينية المرموقة أن يعلنوا أنهم ليسوا سوى موظفين تصدر لهم الأوامر فيطيعون ويخرجون على صفحات الجرائد يتهمون المسلمين بالتعصب ويثنون على الغربيين لتسامحهم.

وقد بلغ السيل الزبى ـ كما يقال ـ في محاكم التفتيش العلمانية هذه واتهاماتها العبثية إلى حد أنني في أسبوع واحد، بل وفي مجلة واحدة أحصيت عدة منها رأيت أن أشرك القراء معي في غيظي وحيرتي من وقاحتها: ففي مجلة صادرة من لندن بتمويل مشبوه المصدر زعمت أنها منبر الفكر والثقافة يكتب فيلسوف شهير في الأوساط العلمانية (أو هكذا يدعي لنفسه) ليقول: (إننا كعرب لا نهتم عادة إلا بالأمور الجسدية البدنية بحيث تكون الأجسام في بؤرة الاهتمام، أما قضايا الفكر فإننا نجعلها في مؤخرة اهتماماتنا، فالأم العربية تدعو لابنها قائلة له: ربنا يجنبك شر الفكر؛ ومعنى هذا أن الفكر والفلسفة(وهي أعظم صور الفكر) قد أصبحا مرادفاً للهم والغم)، والغريب أن هذا الكاتب يمضي ليخصص بقية مقاله في الحديث عن التيارات الفلسفية السائدة على الساحة العربية: ويخص بالذكر ما يسميه بالتيار السلفي الأصولي (الإسلامي) فأين إذن هذا الاهتمام بالأجسام ووضعها في بؤرة الاهتمام كما يقول، بل إنه يمعن في السطحية عندما يتعمد الخلط بين المعنى العامي الواضح لكلمة الفكر في سياقات محددة: بمعنى التحير والتفكير الملحّ بلا طائل في محاولة للخروج من مأزق مستحكم، ومعنى الكلمة نفسها في سياقات محددة أخرى في مجال البحث والدراسة مثلاً، ويتجلى تعسف الكاتب في توجيه التهم ـ وهذا هو هدف مقالته الأولى ـ عندما يلجأ إلى تلك التقسيمات السطحية العنصرية القديمة التي تلخص كل خصائص أمة من الأمم في عبارة واحدة مثل: (مادي) أو (روحاني) أو (خيالي) أو (عقلاني) ، وما أشبه ذلك. وهكذا يحصر الكاتب العرب ـ ويقصد المسلمين ـ في كلمة واحدة وهي: أنهم أعداء الفكر المنكبون على رعاية الجسد؛ دون أن يدعم هذا الزعم الواسع العريض إلا بتفسير متعمد سيئ النية لكلمة يعرف الكل أن معناها عكس ما يقول، بل وحتى وهو يتحدث في مقاله عن تيارات الفكر بين أعداء الفكر هؤلاء.

وبجوار تلك المقالة يكتب (فيلسوف) يشار إليه بالبنان في أوساط العلمانيين، بل وتعينه إحدى الدول الغنية أستاذاً جامعياً كبيراً يشرف على سلاسل إنتاجها من الكتب الفكرية والثقافية، فماذا يقول هذا الفيلسوف؟ إنه لا يتحدث في تلك المجلة الثقافية الفكرية عن قضايا الفلسفة، ولا يهاجم المسلمين لافتقارهم إلى الفكر...إلخ، بل ويا للعجب إذ يورد فقرات مطولة من تقارير تكتب في صحف محلية ببلد عربي مبتلى بتسلط العلمانيين والحرب بين أبنائه، ليخرج من هذه التقارير المشكوك ـ تماماً ـ في صحتها بأن الإسلاميين (كل الإسلاميين) لا يكنون للمرأة إلا سوء المآل والحال؛ لأن (الإسلاميين) في هذا البلد يحرقون مدارس البنات (رغم أن التقارير تتحدث عن حرق كل المدارس بلا تفرقة بين مدارس بنين وبنات) ، ولأنهم يقتلون الفتيات اللواتي لا يخضعن لرغبات الإرهابيين المسلمين الدنيئة، ويحار المرء في فهم هذا التدني في مستوى الخصومة إلى حد اعتماد الكتابات الصحفية الموجهة والكاذبة في معظم الأحيان حول عمليات تقوم بها جهات مشبوهة لا يعلم أحد حقيقتها، واتخاذ هذه الكتابات، بل الإشاعات والدعاية السوداء حجة موثقة للطعن في كل دعاة الإسلام وأصحاب الفكر الإسلامي؛ فأين الفلسفة والفكر والمنطق هنا؟ وهل لم يجد الفيلسوف الكبير ما يقوله إلا هذا؟ وبصرف النظر عن مجرد الرغبة في الكتابة وقبض الأجر فإن الدافع مرة أخرى واضح جلي وهو سعار إلقاء الاتهامات أياً كانت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت