فهرس الكتاب

الصفحة 9863 من 27364

أيمن خالد

في عام 1969 حصل الباحث الصهيوني «يهوشع براور» على جائزة «الدولة» لقيامه بإنجاز دراسة استنتج بموجبها أن ما جرى للصليبيين في فلسطين لن يتكرر مع الكيان الصهيوني مجدداً في بلادنا، وفي واقع الأمر لم تكن تلك الجائزة في ذلك الوقت بالتحديد - والذي شهد تحولات فلسطينية وعربية كثيرة - لم تكن أمراً عرضياً، أو أمراً أكاديمياً صرفاً؛ بل كان الكيان الصهيوني بتلك الجائزة يحاول طمأنة نفسه، وطمأنة اليهود الوافدين أن مستقبلهم لن يكون إلى البحر كأسلافهم الصليبيين، وكما يقول «يوري أفنيري» : (إن الصليبيين حاربوا طيلة ثمانية أجيال ليجدوا أنفسهم وقد القوا إلى البحر، ومن هنا يتوجس اليهود من أن يصل التشابه إلى هذا المستوى) .

ففي هذه العبارة الصريحة يُعبّر «افنيري» عن الهاجس الذي يشغل اليهود خصوصاً وأنهم أنشئوا كيانهم في ظرف استثنائي ناتج عن الشرذمة التي تعانيها الأمة العربية والإسلامية، وهي حالة شبيهة بالحالة التي نشأت فيها مملكة بيت المقدس اللاّتينية، في ظل ظروف مماثلة عاشتها المنطقة لحظة بدء الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي.

فالخوف من ملاقاة ذات المصير دفع باليهود إلى قراءة المنطقة العربية والإسلامية قراءة ذات بعد استراتيجي بغية إدراك مواطن الضعف، والعمل على استمرارها، واكتشاف مواطن القوة وكيفية التعامل معها، لإدراك هذا الكيان أنه كيان غريب لا ينتمي لجغرافية المنطقة، وبالتالي لا يمتلك ما يلغي لديه المخاوف الأمنية التي تبقى شغله الشاغل.

استشراق مبكر:

كانت بداية الاستشراق اليهودي على موائد الاستشراق الأوروبي، والذي ساهم في خلق المفاهيم والرؤى السلبية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، وبهذه الرؤية السلبية انطلق اليهود في استشراقهم، وتميزوا عن الاستشراق الأوروبي في طبيعة عملهم، فكانت محاولات المستشرقين اليهود التركيز على ما يسمى بـ «الإرث العبري» ومحاولة نقل هذه الفكرة إلى داخل العقلية الأوروبية على اعتبار أن اليهود هم جزء من الشرق، وأن إعادتهم إليه مسألة أخلاقية، ولا توجد فيها دوافع استعمارية، خصوصاً مع بروز التيار البروتستانتي، ومحاولات تأكيد الرؤية التوراتية للمنطقة.

لذلك كانت الأبحاث الاستشراقية اليهودية في تاريخ العرب وجغرافيتهم هي مهمة ذات بعد صراعي يُستخدم فيها التاريخ بمدلولاته، وتستخدم الدراسات - بعد تزييفها في معظم الأحيان - كأداة لبناء منظومة من الرؤى والمفاهيم، ومحاولة تصديرها على أنها حقائق تاريخية ثابتة.

لذلك سعى المستشرقون اليهود إلى فكرة ربط اليهود بالمنطقة العربية وتحديداً فلسطين، فعمل المستشرقون اليهود على توجيه الاستشراق الغربي نحو هذا الهدف من خلال رسم هيكلية المنطقة العربية والإسلامية وفق المنظور الاستشراقي اليهودي، رغبة منهم في أن يسير الاستشراق الغربي على خطى الاستشراق اليهودي، حيث عمل المستشرقون اليهود على استحضار عوامل صراع شرقي - غربي بغية حشد الغرب في خندقهم، واستخدمت في ذلك آلاف المطبوعات الصادرة باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، والتي تصل بسهولة ويسر للباحثين الغربيين في سنوات دراستهم الأولى، مما يجعل التحرر من هذه الأفكار أمراً صعباً.

لذلك يأتي الاستشراق اليهودي ليكون مكملاً لما بدأ به الاستشراق الغربي، ثم ليعمل على إدماج النتائج المعرفية في شؤون العرب والمسلمين وفق مسار محدد، يراد من خلاله المنطقة برمتها، وجعلها في أذهان الأوروبيين والغرب عموماً خلاف ما هي عليه في محاولة إثبات ما يسمى استمرارية «التاريخ اليهودي» في فلسطين وحولها تحديداً.

لذلك جاءت محاولات كتابة ما يسمى «التاريخ اليهودي» خلال الحملات الصليبية، فأظهرتهم تارة محاربين - وهو أمر ينافيه العقل - فقد كانوا يدفعون الجزية وهذا ثابت في كل الكتابات التاريخية، فكيف يمكن لهم أن يكونوا محاربين، ثم تأتي محاولات إلصاقهم بالأرض من خلال وصفهم كمزارعين، إضافة إلى نفي الهوية الواحدة لعرب فلسطين، وجعل الهوية اليهودية لفلسطين هي المسألة المركزية في أذهان الغرب.

تطور الاستشراق:

بعد نكبة عام 1948تطور الاستشراق اليهودي تطوراً كبيراً، فلم تعد الأهداف الصهيونية محاولة إثبات ما يسمى «التاريخ اليهودي» فحسب بل تعدى ذلك إلى دراسة التاريخ والجغرافيا، والعادات والتقاليد وكل ما أمكن عن المنطقة.

من هنا إن كان الاستشراق الغربي قد تركز حول مساعدة المؤسسات الغربية على تحقيق طموحاتها وتطلعاتها في الهيمنة، فإن الاستشراق اليهودي تجاوز ذلك ليجعل المنطقة برمتها تحت أنظاره، فالاستشراق الصهيوني اليوم يدرس أحوال المسلمين من ماليزيا وحتى تركيا وأفريقيا، ناهيك عن أحوال العرب المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت