فهرس الكتاب

الصفحة 9864 من 27364

والاستشراق اليهودي الجديد يزحف ليحل محل الاستشراق التقليدي من خلال تحويل الاستشراق ذاته إلى استخبارات في الميادين الاستراتيجية كافة، لتمكين هذا الكيان من الاستمرار في تحقيق التفوق، وإنما يعكس ذلك الطبيعة العنصرية لهذا الكيان، من خلال استخدام الجوانب المعرفية بغية تحقيق السيطرة، والهيمنة على المنطقة برمتها.

اهتمام بحثي:

عندما نعلم أن الجامعة العبرية تخصص قرابة نصف ميزانيتها للمشاريع البحثية ندرك أهمية الأبحاث في العقلية الصهيونية المعاصرة، فيكون الباحثون أشبه بأداة استشعار عن بعد، ترصد المخاطر التي تواجه المشروع الصهيوني في بلادنا، فلقد سبق مشروع بناء الجامعة العبرية في القدس والذي جاء عام 1918 بمساعدة بريطانيا، سبق نشأة هذا الكيان، وكانت خطط بنائها قد وضعت في نهايات القرن التاسع عشر، وهي منذ تشكلها تحث الباحثين اليهود على دراسة الشؤون العربية كافة، ويتم تقديمهم في المجتمع الصهيوني على أنهم «خبراء الشؤون العربية» ، حيث يعمل الكثير منهم مستشارين سياسيين وأمنيين لدى القادة العسكريين.

فالصهيونية التي وضعت نفسها وسط تشكل عربي وإسلامي، بدأت بدراسات مفصلة للتعرف على مكامن القوة والضعف، لامتلاك مصدر معرفي يساعدها في تعميق التناقضات، وصياغة خطاب وبرنامج ميداني للتعامل مع العرب وفق توالي الظروف السياسية وغيرها.

لذلك فالاستشراق اليهودي ليس ترفاً فكرياً، ولا ينبع من حاجات الإنسان إلى ثقافة محددة، إنما عليه أن يستطلع أحوال العرب والمسلمين من ماليزيا وحتى ساحل العاج، وبالمقابل فإن أمامه مهمة أخرى، وهي تعزيز الانتماء لليهود القادمين من الخارج من أجل التحفيز على الاستمرارية في بناء المشروع الصهيوني، ولا يتم ذلك إلا بإقامة عشرات المؤسسات البحثية، والعمل على صناعة الباحثين وصياغتهم من خلال مؤسسات الاستيعاب، فتجد الباحث الصهيوني والذي يريد دراسة أي من القضايا العربية يحصل على امتيازات خاصة، وتوضع أمامه إمكانات كبيرة لإنجاز مهمته.

دراسة وتعبئة:

فالحروب في الاستشراق اليهودي تشكل مادة بحثية أساسية، وتأتي دراستها وتحليل دورها في السياق العام للسياسة الصهيونية، والوقوف على النتائج والاستخلاصات التي أفضت إليها تلك الحروب بغية إدماجها في رؤية مستقبلية للصراع لتحاشي التقصير، وتشغل معركة حطين الباحث الصهيوني ليس من خلال دلالاتها العسكرية فحسب بل ومن خلال دراسة الظروف التاريخية التي سبقت هذه المعركة، والعمل على منع تكرارها من جديد، بما يشكل ذلك مصدراً للرعب لدى الكيان الصهيوني.

ففي عام 1987 وعلى إثر انطلاق الانتفاضة الأولى المباركة أقام الكيان الصهيوني مؤتمرا أعقبته العديد من الندوات، وذلك في ذكرى مرور800 عام على معركة حطين، وحاول الباحثون الصهاينة من خلال ذلك التذكير من جديد باختلاف التجربة بين الحملات الصليبية وبين الصهيونية.

وبكل تأكيد إن أعمال هذا المؤتمر لم تكن موجهة لغايات بحثية أكاديمية، وإنما جاءت موجهة إلى صميم المجتمع الصهيوني الداخلي، والذي بدأ يرى مع الانتفاضة صورته الغريبة عن المنطقة، ومن خلال التعاطف العربي الشعبي والإسلامي بدأ يلمس من جديد الظروف التاريخية التي سبقت معركة حطين، بما يشكله ذلك من هاجس يؤرق سريرة الصهاينة.

وهنا نلاحظ مهمة جديدة للاستشراق اليهودي أنه أخذ يخاطب المجتمع الصهيوني من الداخل بغية جعل المجتمع الصهيوني في حالة توحد مع المؤسسة العسكرية والتي لها مفهومها الخاص للأمن، فمفهوم الأمن لأي دولة يعني حماية الحدود، إلا أن هذا الكيان يرى أن مفهوم الأمن بالنسبة إليه يعني «الوجود ذاته» لذلك مع انطلاق الانتفاضة المباركة لم يعد مفهوم الردع للأنظمة العربية يعني له الكثير بسبب التماس المباشر بينه وبين أصحاب الأرض.

ومن هنا نجد مفهوم الأمن إنما يستند على رؤية استشراقية من صميم الدراسات التاريخية استخلصها الباحث الصهيوني دان هورو فيتش وهو أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية، حيث يقول «هنا تكمن فرصتنا الأخيرة، فإما الوجود والاستمرار بأي ثمن، وإلا فإن أمامنا الفناء النهائي» .

رعب دائم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت