فهرس الكتاب

الصفحة 8570 من 27364

أ.د. نادية محمود مصطفى**

الإستراتيجية الأمريكية.. مزيد من الاعتماد على القوة

لا يمكن دراسة التغيرات في السياسة الأمريكية -داخليًّا وخارجيًّا- بانفصال عن طبيعة إدراك أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتحديد مرتكبيها؛ وذلك لاعتبارين:

الأول: طبيعة الحدث ذاته: والذي يمكن تلخيصه في عدة نقاط؛ فهو:

-ضرب لرمزي القوة الأمريكية: الاقتصادية (مركز التجارة العالمي) والعسكرية (البنتاجون) .

-ضرب للأمن الأمريكي من الداخل.

-ضرب بأسلوب عولمي تخطى حواجز الدول والحدود.

-هائل الأثر على الداخل الأمريكي، وتصوره عن أمنه، وتصوره عن نفسه، وعن رؤيته للعالم من حوله.

الثاني: أهمية وضرورة تحديد مرتكبي الحدث:

فإلقاء التهمة على العرب والمسلمين له معنى وله عواقب كثيرة، مهما أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تحارب الإسلام والمسلمين. كما أن تهمة"الإرهاب"تفسح الطريق لكل شيء، وبكل الطرق؛ ولذا فإن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ليس تغيراً، ولكنه كشف عن تحول تكون بالتراكم والتدريج عبر نحو 15 عاماً سواء تجاه العالم أو تجاه المنطقة العربية. ولكن يظل التساؤل القائم هو: هل ما حدث - وهو جلل بالنسبة للولايات المتحدة- سيدفع بها نحو مزيد من سياسات القوة؟ أم نحو مراجعة هذه السياسات التي كانت محصلتها هي التي قادت إلى ما تعرضت له في الحادي عشر من سبتمبر2001؟ باعتبار أن ما حدث هو عرض وليس سبباً.

يثير ذلك تساؤلا هامًّا: ما رؤية الولايات المتحدة لهذا الحدث؟ وكيف أدركته؟ وكيف فسرته؟ هل رأت أن ما حدث ناجم عن مجرد العداء للغرب ونموذجه وللعالم الحر؟ أم هو رد فعل لسياسات ظالمة سابقة تعرضت لها شعوب عديدة؟ ألم يتطرق التفكير والبحث إلى طرف آخر -غير العرب والمسلمين- قد يكون ضالعاً في الأحداث؟ ولماذا عدم الإعلان عن الأدلة -مع الرفض في نفس الوقت- وبشكل قاطع وصريح لكل تساؤل حول فواعل أخرى غير القاعدة وأسامة بن لادن؟

تحولات الإستراتيجية الأمريكية العالمية

ومن التساؤلات الأخرى المثارة: هل طبيعة حدث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تقتضي تغيرًا عاديًّا في السياسة الخارجية الأمريكية في نطاق العلاقة بين الاستمرارية والتغير اللذين تشهدهما سياسة أي دولة، أم أنه ولَّد تغيرات تؤسس لتحول في الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة وللعالم برمّته، أو تكشف عن تحول جرت صياغته تدريجيًّا، ونعايش الآن مؤشراته وتجلياته الأولى التي ستتدعم فيما بعد؟

وبعيدًا عن رؤية بعض المراقبين التي تميز بين إمكانية وجود تغيرات جوهرية بين الديمقراطيين والجمهوريين في التعامل مع الحدث؛ فإن الشيء المتفق عليه والمتوقع أن التيارين كانا سيختلفان فقط حول سبل إدارة الإستراتيجية العالمية الحديثة وأدواتها، وليس حول جوهرها ومنطقها.. فالسياسة الأمريكية العالمية دخلت تحولاً سواء كان يديرها ديمقراطيون أو جمهوريون. فإذا كانت حرب الخليج 1991 (التي قادها الجمهوريون) قد قدمت مؤشرات على تلك التحولات؛ فإن حرب كوسوفا (التي قادها الديمقراطيون) قدمت مؤشرات أخرى، وتأتي حرب أفغانستان فتقدم مؤشرات ثالثة، والحرب الدائرة في فلسطين تقدم مؤشرات أخرى… وهكذا.

فإن المرحلة التي يعيشها العالم الآن وتشهدها الإستراتيجية الأمريكية العالمية هي مرحلة الأحادية والهيمنة الأمريكية، ولكنها"المتوحشة"المتخلية عن كل قيم وأبعاد النموذج الأمريكي"الإيجابية". والمؤشرات على ذلك عديدة، منها الحرب ضد ما يسمى بالإرهاب كأولوية للسياسة الخارجية التي يطلق عليها"مبدأ بوش"، وتوسيع هذه الحرب، وإعادة فك الارتباط بالعالم، وتوثيق العلاقة بالحلفاء في إطار المصلحة الأمريكية أساسًا.

وتمثل هذه المؤشرات عناصر التحول في السياسة الأمريكية أيًّا كان الحزب الحاكم في الولايات المتحدة؛ وهو ما يجعلنا نتوقف عند أمرين:

الأول: كان هناك تحول تم الكشف عنه بعد 11 سبتمبر:

فإذا كان الانتقال من إدارة كارتر إلى إدارة ريجان قد شهد انتقادات الجمهوريين والمحافظين منهم للنمط الديمقراطي (خلال مرحلة اندلاع الحرب الباردة الجديدة التي أسست نهاية الحرب الباردة) ، فإن إدارة كلينتون قد شهدت جدالاً أيضاً حول التوجه الجديد للإستراتيجية الأمريكية العالمية في مرحلة جديدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. وكان التساؤل الذي ظل قائمًا حول شكل العالم الجديد: هل يكون أحادي القطبية أم متعدد الأقطاب؟ ومع إدارة بوش الابن -قبل الحادي عشر من سبتمبر2001- واجهت إدارة كلينتون السابقة نفس انتقادات ريجان لكارتر. ولكن بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 انكشفت التغيرات عن الكامن التدريجي المتراكم منذ 15 عامًا، وهو الأمر الذي أفرز تحولاً أكد أحادية النظام الدولي، وذلك على ضوء سلوك الولايات المتحدة الخارجي بصفة عامة، وتجاه المنطقة العربية بصفة خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت