وقد أدى الانتصار السريع الذي حققته الولايات المتحدة على حركة طالبان إلى تدعيم قناعتها بالاعتماد على مبدأ القوة الفجة كسبيل وحيد لمحاربة ظاهرة الإرهاب، وإعادة ترتيب العالم وفقا للمنظور الأمريكي؛ وهو ما يصب في صالح تصور الصقور.
وعلى خلفية هذا الصراع تبدو الإدارة الأمريكية الحالية منقسمة على نفسها إلى اتجاهين:
الأول: يمثله اليمين من الصقور. ويأتي على رأس هذا التيار ديك تشيني نائب الرئيس بوش، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائبه المتطرف بول وولفوفيتز، وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي.
والثاني: يمثله ما يسمى بتيار الواقعية السياسية، وهو تيار صغير جدا يكاد يمثله وزير الخارجية كولن باول منفردا.
ومن المؤكد أن هذا الانقسام يخلق في النهاية سياسة خارجية مضطربة، ولعل الجدل الأمريكي الحالي حول أولوية الحرب ضد العراق تعكس هذا الحال من الاضطراب.
وفي سياق انغماس السياسة الخارجية الأمريكية بعد 11 سبتمبر بمحاربة ما تسميه"الإرهاب"لا تقبل واشنطن من الآخرين سوى الانصياع لها.
وقد كان الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش عقب هذا الأحداث واضحًا:"فإما مع أمريكا أو مع الإرهاب".
وفي إطار هذا التوجه أيضًا خطا بوش خطوة أخرى في خطابه الذي ألقاه عن حالة الاتحاد في فبراير الماضي، والذي قسم فيه العالم إلى"أخيار وأشرار"من خلال ما قاله حول"محور الشر".
أخطار جسيمة
ولا شك أن هذا التحول الذي طال السياسة الخارجية الأمريكية يحمل في طياته أخطارًا جسيمة على النظام الدولي القائم؛ حيث أفرز الكثير من المفاهيم الخاطئة والمغلوطة.
فقد حولت الولايات المتحدة حق الدفاع الشرعي عن النفس الذي استخدمته كستار لحربها ضد أفغانستان إلى ظلم وعدوان، وأحدثت في توجهها الجديد خلطًا متعمدًا بين الإرهاب وحركات المقاومة، وكان ذلك بسبب أن هذه المفاهيم قد تمت صياغتها من قِبل طرف واحد، ولتحقيق مصالح طرف واحد هو الولايات المتحدة.
وتنبع مخاطر حدوث انقسام وفوضى في النظام العالم على خلفية تصاعد النزعة الفردية الإمبراطورية الأمريكية، من حقيقة أن الولايات المتحدة إذا كانت قد استطاعت في ظل الشحنة الانفعالية الكبيرة التي أفرزها الهجوم على نيويورك وواشنطن حشْدَ تحالف دولي ضخم للحرب في أفغانستان.. فإن هذا التحالف بدا بعد إسقاط طالبان غير مستعد للانسياق الكامل وراء الرغبات الخاصة للولايات المتحدة لإعادة صياغة العلاقات الدولية، وفقا للمنطق الأمريكي وحده.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك: المواقف المتباينة للقوى الأخرى في النظام الدولي إزاء التهديد الأمريكي الراهن بضرب العراق وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين عَنوة.
حيث إن هناك رفض أوروبي معلن لهذه الخطوة من قبل ألمانيا مثلا، وهناك رفض مضمر من قبل آخرين، وهذا معناه عودة العلاقات الدولية إلى مرحلة الاضطراب من جديد.
ومن المؤكد أن هذه الحالة من الاضطراب على الصعيد الدولي سوف تتصاعد مع تمادي هذه النظرة الأحادية للسلوك الأمريكي على الساحة الدولية، ومع استمرار الولايات المتحدة في اعتمادها على الخيار"صفر"في علاقاتها الدولية، الذي لا يتيح للقوى الأخرى مشاركة القوة الأمريكية، بل يكرس حصول واشنطن على ما تريد مقابل الإذعان التام من قبل هؤلاء الآخرين.
وإذا كان البعض يرى أن هذه السياسة كانت موجودة بالفعل قبل أحداث 11 سبتمبر، وهو ما يعني أن تلك الأحداث بريئة من هذا الانحراف الذي لحق بها؛ فإن هذا القول لا يبدو صحيحًا على إطلاقه، حيث إن هذا النزوع الأمريكي الجارف للهيمنة لم يكن متبلورًا كما بدا حاله عقب هذه الأحداث.
وبالرغم من هذا التشاؤم الذي أحاط بوصول بوش إلى الحكم، تخوفا من إحيائه لنهج إدارة ريجان إبان الحرب الباردة؛ فإن الولايات المتحدة بدت قبل 11 سبتمبر في انتهاج توجه انعزالي ملموس بعيدا عن"شرور العالم"، وهو ما تبخر تمامًا على خلفية هذه الأحداث التي أعادت زرع الوجود الأمريكي المتسلط في كل بقعة على الخارطة الدولية في إجراءات استباقية لتأمين الداخل الأمريكي ضد احتمال تعرضه مجددًا لما حدث في 11 سبتمبر.
وفي النهاية يمكن القول إن هذه التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية الأمريكية تصب في صالح تضييق الخناق على الشرعية الدولية، وهو الأمر الذي يبدو واضحًا من تزايد التجاهل الأمريكي للأمم المتحدة، على النحو الذي يدعّم من فرضية شيوع الفوضى في العلاقات الدولية.