موسوعة الخطب والدروس - (ج 123 / ص 1)
هواجس أم تصميم
محمد الزواوي
كما دخلت الإدارة الأمريكية في أزمة جديدة بعد المواجهة الإيرانية في مجلس الأمن، مع تملُّك إيران لجزء كبير من مفاتيح اللعبة في العراق، وبات ظاهر الوجود الأمريكي في العراق أنه يمثل مأزقاً للإدارة الأمريكية، وأنها دخلت مستنقعاً لا تستطيع الخروج منه، وأن الوضع ينتقل من سيئ إلى أسوأ، ولكن مسؤولي التخطيط الاستراتيجي في الإدارة الأمريكية يرون عكس ذلك.
فالاستراتيجيون ينظرون إلى العالم بخرائطه كنقاط مضيئة من النفط والذهب والموارد والمصادر الطبيعية، ثم بعد ذلك ينظرون إلى تلك الأراضي وسكانها وسبل السيطرة عليهم، وينظرون إلى الاختلافات العرقية والمذهبية والقبلية وكيفية استغلالها سواء بالتحريش بينهم أو نصرة طرف على الآخر، أو عن طريق السيطرة على الأطراف معاً. ولا أعتقد أن الاستراتيجيين الأمريكيين يرون نقطة أكثر إضاءة على الخريطة من شمال العراق الغني بالموارد الطبيعية.
فشمال العراق من أغنى مناطق العالم بالثروة النفطية، مثل آبار الموصل وكركوك وخانقين، وتقدر كمية المخزون الاحتياطي
المسلمون والعالم ـ أمريكا ومشروع التقسيم في العراق هواجس أم تصميم؟
للسنة الرابعة للحرب على العراق وسقوط بغداد، وما يزال القادة العسكريون الأمريكيون يطالعوننا بتصريحات يؤكدون فيها على عدة أشياء: لا لتقسيم العراق، لا للقواعد الأمريكية الدائمة، لا للانسحاب السريع قبل تجهيز الجيش العراقي، لا للتخفيض الكبير لعدد الجيش الأمريكي بالعراق. ولكن من ينظر إلى الأوضاع على الأرض يعلم أن الولايات المتحدة لن تستطيع المضي قُدُماً في وجودها بالعراق على هذا الوضع المضني والمرهق لجيشها، في ظل انحسار الدعم الشعبي بالداخل الأمريكي، والروح المعنوية المتدنية للجنود الذين لا يرون نوراً في نهاية النفق المظلم.
لحقول النفط في كركوك وحدها بأكثر من 10 مليارات برميل، بقدرة إنتاجية تصل إلى ما مقداره 750 ألف برميل إلى مليون برميل يومياً، وفي عام 2002م كان خط الأنابيب ينقل نحو مليون برميل من النفط الخام يومياً من حقول كركوك النفطية إلى ميناء جيهان التركي، كما كان الاستيلاء على مدينة كركوك من أهم أهداف قوات الاحتلال الأمريكي بمشاركة الميليشيات الكردية منذ بدء العمليات العسكرية في شمال العراق.
كما يوجد العديد من الأنهار ومصادر المياه العذبة التي تعد محورية وهامة لكل دول المنطقة، ويتوقع أن تكون مصدراً للصراع في القرن الحالي، كما تحوي المنطقة العديد من الثروات الأخرى مثل النحاس والكبريت والكروم والملح، كما أن شمال العراق الذي يسيطر عليه الأكراد يمثل فراغاً استراتيجياً كبيراً للإدارة الأمريكية من الحماقة ألا تسيطر عليه؛ فالأكراد يقبعون وسط محيط معاد من تركيا وإيران وسورية، وسيرحبون بشدة بأن يدخلوا في «الحماية الأمريكية» ، وهو ما خططت له الإدارة الأمريكية منذ البداية.
وقد أشار العديد من المراقبين والمحللين إلى أن الإدارة الأمريكية «فشلت في التخطيط لمرحلة ما بعد غزو العراق» ، ولكن الأيام أثبتت أن هذا منافٍ للحقيقة؛ فالولايات المتحدة خططت تحديداً لهذه المرحلة وبكل دقة وتصميم، واستطاعت الوصول إلى هدفها الأسمى في العراق بعد احتلالها، هذا الهدف هو إيجاد مناخ من الفوضى وَضَعَ بيئةً يكون الكل فيها خاسراً في العراق، من انتشار الفوضى والسلاح واليأس بين جميع أطراف المعادلة العراقية. وليس خافياً على ذي لُبٍّ المصلحة الأمريكية في تدمير الأضرحة والمزارات الشيعية؛ فهذا هو المناخ المناسب لإشعال حرب أهلية في العراق، هذه الحرب التي من شأنها تعميق فكرة انفصال تلك الأطراف بعضها عن بعض، وتحقيق حكم ذاتي لكل من السنة والشيعة والأكراد، ومن هذه النقطة سوف تبدأ الإدارة الأمريكية في الدخول في المرحلة الجديدة، في دويلات ما بعد العراق.
فتقسيم العراق سيكون بمنزلة طوق النجاة للإدارة الأمريكية في العراق؛ وقد لا يكون هناك ترحيب بالقوات الأمريكية في المناطق السنية، أو حتى في المناطق الشيعية بسبب المواجهة النووية مع إيران والأبعاد الاستراتيجية الأخرى للمد الفارسي في المنطقة، وسمعة إيران والشيعة في العالم الإسلامي على المدى البعيد. وفي ظل وجود تركيا وإيران وسورية الذين يعارضون وجود دولة كردية، فسوف تكون الولايات المتحدة هي خير نصير «للمظلوم الضعيف المضطهد الشعب الكردي» الذي يطالب بحق من حقوق الإنسان، ألا وهو «حق تقرير المصير، وحق الانفصال» كما حدث في تيمور الشرقية التي انفصلت عن إندونيسيا بنفطها ومواردها، وسنغافورة التي انفصلت عن ماليزيا بحق تقرير المصير، وسترحب أمريكا بوجود قواعد دائمة لها في المنطقة الكردية بشمال العراق، كما أن الأرقام تؤكد أن المنطقة الكردية هي أكثر مناطق العراق أمناً للأمريكان، وتشهد المنطقة أقل العمليات العسكرية ضد الاحتلال ووجوده بالعراق.