ولقد كانت الحياة قد ركدت وأسنت في بلاد العالم الإسلامي ، بما غشّى العقيدة من أمراض وانحرافات ، وبما اعترى السلوك من تفلت متزايد من مقتضيات لا إله إلا الله .
وكان الأمر في حاجة إلى من يعيد الحيوية والنشاط للأمة لتستيقظ من غفوتها وتنطلق من جديد .. فكانت في حاجة إلى العالم الرباني ، المجدد المجاهد ، الذي يمسح آثار الفكر الإرجائي والفكر الصوفي ، والتفلت من التكاليف ، والكسل والتراخي ، ويعيد إلى عقيدة الإيمان بالغيب حيويتها وصفاءها وإيجابيتها بإزالة ما علق بها من خرافة وتواكل وسلبية وتعلق بالخوارق ، كما يعيد الصفاء والحيوية والإيجابية إلى التعامل مع عالم الشهادة بإزالة ما علق به من كسل وتراخٍ وقعود عن الأخذ بالأسباب ، فتعود للأمة انطلاقتها السوية المتكاملة المتوازنة التي صنعت بها من قبل ما صنعت من الأعاجيب ، من نشرٍ لعقيدة التوحيد في أرجاء الأرض ، وإنشاء حركة علمية فذة ، وحركة حضارية فريدة في التاريخ ..
ولكن الأمة - في التيه - جنحت إلى النموذج الغربي المختل ، دون أن تفطن إلى ما فيه من اختلال ، ودون أن تدرك في الوقت ذاته أن الذي وقع في أوربا في ذلك الخلل هو دينها المحرف وكنيستها التي طغت بذلك الدين ، وأنها لم تكن تملك دينا صحيحا ترجع إليه لتصحيح مسارها حين تنحرف عن الطريق .
وفي تلك المناسبة قالوا إن الحملة الفرنسية على مصر كانت مفتاح الخير لها وللمنطقة كلها من حولها ، وأنها كانت باعث"النهضة"التي بعثت"النور"و"الحركة"في الظلام الراكد الذي كان يلف العالم الإسلامي كله !
وأما أن الحملة الفرنسية أيقظت مصر من سباتها وحرّكتها فحق لا شك فيه .. وأما أنها"نوّرتها"فأمر أقل ما يقال فيه أنه يحتاج إلى مراجعة شديدة !
لو أن إنسانا نائما في الطريق دهمته سيارة فخلعت بعض أوصاله ، وكسّرت بعض عظامه ، ولوت عنقه بحيث لم يعد يستطيع أن يحرك رأسه إلا في اتجاه معين .. فماذا يقال عندئذ ؟!
إما أن السيارة أيقظته وحرّكته من مكانه فذلك أمر مؤكد !
وإما أنها نوّرته ورشّدته وهدته إلى الطريق السوي فأمر يفتقر إلى الدليل !
لقد كانت عناية الصليبية مركزة على نقطتين بعينهما في العالم الإسلامي: اسطنبول والقاهرة . اسطنبول مركز الخلافة ، أي مركز القوتين الحربية والسياسية ، والقاهرة مركز الإشعاع الروحي والثقافي للعالم الإسلامي ، المنبعث من الأزهر ، وما فيه من علوم دينية ، وعناية باللغة العربية ، لغة القرآن .
وكانت عناية الصليبية بهذين المركزين تهدف إلى تقويض أركان الإسلام فيهما أولا ، فيسهل تقويض أركان الإسلام في كل الأرض الإسلامية بعد ذلك . وبالنسبة لمصر كانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون هي بداية التحرك الصليبي لمحاولة القضاء على الإسلام في مركز الإشعاع الروحي والثقافي (77) .
وكان من بين وسائل الحملة محاولة إحلال"قانون نابليون"بالتدريج محل الشريعة الإسلامية في صورة"أوامر"صادرة من"سر عسكر"نابليون بونابرت ، في منشورات متلاحقة .
وكان من الوسائل كما يقول الجبرتي - الذي أرخ تأريخا تفصيليا للحملة -"بغايا الحملة".. أولئك الساقطات اللواتي يسرن حاسرات في الشوارع ، متهتكات متخلعات ، لإغراء النساء المسلمات"بالتحرر" (78) .
وكان من الوسائل كذلك إثارة النعرة الفرعونية عن طريق التنقيب عن آثار الفراعنة ، وإبرازها ، وبث الاهتمام بها .
وهذه الأخيرة يحسب بعض الناس أنها بريئة ! وأنها قضية"علمية"بحتة !
ولكن مستشرقا صريحا قال في كتاب"الشرق الأدنى مجتمعه وثقافته" (79) : إننا في كل بلد إسلامي دخلناه ، نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام . ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام ، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات !
إنها تشتمل - ولا شك - على تقدم علمي وفني وتكنولوجي بارز .. ولكن ما وزنها في النهاية ، وما وصفها في كتاب الله ؟
إنها جاهلية .. إحدى جاهليات التاريخ الوثنية الحائدة عن الطريق ، المجافية للهدي الرباني ، المستحقة لغضب الله:
( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ..) (80) .
إنها عبادة الفرعون ، وعبادة الأصنام من دون الله ..
وهي جاهلية تاب الله على أهل مصر منها حين دخلوا في النصرانية أول مرة ، ثم تاب عليهم التوبة الكبرى حين دخلوا في الإسلام ، لما جاءهم الإسلام .
فما إثارتها في حياتهم من جديد ، إلا - كما قال ذلك المستشرق - لذبذبة ولائهم بين الإسلام وبين"حضارة"ما قبل الإسلام ، لتسهيل انزلاقهم في النهاية بعيداً عن الإسلام !