لقد كانت الحملة الفرنسية على مصر هي رأس عملية"التغريب"، أو عملية"التخريب"المقصود لإبعاد مصر عن الإسلام ، بل عن العروبة كذلك ، فأين مواطن الخير المزعوم الذي انهمر على مصر انهمارا بواسطة الحملة الفرنسية ؟!
اليقظة من الغفوة ؟
نعم .. ولكن مع تقطيع أوصال الأمة بإبعادها التدريجي عن تراثها ودينها وأخلاقها وتقاليدها وذاتيتها ، ولىّ عنقها نحو الغرب ليتوغل الغزو الفكري في جنباتها ، وتغرق في تبعية للغرب لا يُعْلَمُ لها قرار ..
أما اليقظة السليمة الصحيحة فقد كانت وشيكة دون تدخل الحملة الصليبية ، فقد كانت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي البشير الحقيقي بيقظة الأمة من غفوتها ، ومعاودة السير في الطريق ..
ولكن السيارة دهمت النائم فأيقظته .. نعم .. ولكنها قذفته بعيدا عن الطريق .
وحين بدأت العدوى تسري من الانحراف الغربي إلى الأمة الضاربة في التيه تغيرت"القيم"في حياتها ، فلم تعد هي القيم التي قررها الله - التي يلتزم بها بعض الناس ويتفلت منها بعض الناس - إنما حلت محلها القيم التي وضعها"الإنسان".
فإذا كان الله قد جعل القيمة الكبرى هي"التقوى": ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (81) بالمعنى الشامل للتقوى ، الذي يشتمل على الفضائل الإنسانية كلها ، التي ترفع الإنسان في فكره ومشاعره وسلوكه إلى أعلى ما يستطيع أن يصل إليه ، فإن"الإنسان"الذي ألّه نفسه بدلا من الله ، قال إن القيمة الكبرى هي القوة ، وهي العمل من أجل التمكين في الحياة الدنيا بصرف النظر عن الآخرة ، وهي الاستمتاع بملذات الحياة الدنيا بصرف النظر عن المبادئ والأخلاق .. ولقد عاش الناس حتى رأوا مقدار الخلل الذي حدث في حياة البشرية من جراء نبذ القيم التي قررها الله ، واتباع القيم التي قررها الإنسان .
ولكن الأمة - في التيه - لم تستطع أن تدرك مدى الخلل في هذا المنهج ، وما يمكن أن يترتب عليه من آثار خطيرة في حياة الناس ، فوق أنها - في وهنها الذي كانت فيه ، والذي زاده الغزو الفكري والسياسي والعسكري والاقتصادي وهنا على وهن - لم تجد في نفسها القدرة ولا الجلد ولا العزيمة التي اكتسب الغرب عن طريقها تقدمه المادي ، إنما أخذت الفساد الخلقي وحده ، وعجزت عن اللحاق بالغرب في ميدان قوته ، ففقدت التقوى والقوة جميعا وصارت مسخا مشوها لا يقدر على شيء !
واضطربت كذلك المعايير ، حين صار مصدرها الهوى البشري بدلا من الوحي الرباني . فراح قوم يقولون إن العفة ليست معياراً للفضيلة ! وإن الاختلاط ، واتخاذ الأخدان ، وقيام علاقات لا يقرها الدين ليس معياراً للرذيلة ! وإن تعرية المرأة ما تشاء من جسدها ليس معياراً للانحلال الخلقي ! وإن الحديث عن الله سبحانه وتعالى أو عن رسول ا صلى الله عليه وسلم أو عن كتاب الله المنزل ، أو عن السنة النبوية المطهرة بغير التوقير الذي تعوده المسلمون ، ليس معيارا للكفر أو ضعف الإيمان ! فالمعايير كلها نسبية ، ولا وجود لمعايير ثابتة أو مطلقة .. وما كان ينظر إليه في وقت من الأوقات على أنه هو الفضيلة قد يبدو اليوم رذيلة ! وما كان ينظر إليه على أنه الواجب قد يكون اليوم أبعد شيء عن الواجب ! وما كان ينظر إليه على أنه خطأ قد يكون اليوم هو عين الصواب ..!
وسرت إلى الأمة في تيهها كذلك عدوى"التطور"الذي يلغي فكرة الثبات في كل شيء .. حتى الدين .. حتى القيم .. حتى الأخلاق !
أما قرأت دارون .. أو قرأت عنه ؟!
إن دارون يقول إن كل الكائنات قد تطورت ، وإن التطور هو قانون الحياة . وإن الإنسان لم يخلق منذ البدء على هيئته الإنسانية التي هو عليها الآن ، إنما تطور عن أحد القردة العليا ، وكان الشعر يغطي جسده كله ، وكان يمشي على أربع .. ثم تساقط عنه الشعر خلال ملايين من السنين ، وانتصب واقفا على قدميه ، فأتيح لمخه أن يكبر حين صار رأسه مرتكزا على الجذع وليس معلقا في الفضاء كبقية الحيوان ، فزاد ذكاؤه فتعلم وتكلم !!
وتخصصت صحف بعينها في نشر الفكر الدارويني ، وبث فكرة الخلق الذاتي الذي لا دخل للمشيئة الربانية فيه ، وأن"الطبيعة"هي التي تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق ! وليس لها في الوقت ذاته غاية محددة من وراء الخلق !!