ولم تدرك الأمة - في التيه - أن"نظرية دارون"لم تكن تزيد في الحقيقة عن كونها فروضا علمية ، وإن أطلق عليها أنها نظرية .. وأنها حتى لو كانت نظرية فقد كانت - وما تزال- قيد الإثبات ، ولكنها لم تصل قط أن تكون حقائق علمية نهائية . وأن قضية الخلق الذاتي قضية لا برهان لها على الإطلاق ، لا عند دارون ولا عند غيره ممن ادعوها . وأن جوّ المعاندة الذي اتخذه العلماء في أوربا تجاه الكنيسة منذ حرّقت العلماء أحياء لقولهم بكروية الأرض ، هو الذي جعل دارون يكسو نظريته - أو بالأحرى فروضه العلمية - بهذا الرداء الإلحادي الذي ينكر أثر المشيئة الربانية في عملية الخلق (82) ، والذي ينسب الخلق لشيء غيبي خرافي اسمه"الطبيعة"مع أن هذا الرداء لم يكن من مستلزمات نظريته - على فرض صحتها ! - وأنه لولا هذا العناد مع الكنيسة فقد كان دارون قمينا أن ينسب الخلق والتطوير إلى الله ، فقد كتب رسالة إلى أحد أصدقائه ( نشرت فيما بعد ) قال فيها: لست أدري لماذا يتهمونني بالإلحاد مع أني أومن بوجود إله !!
ولم تدرك كذلك أن شياطين الأرض هم الذين نشروا هذه النظرية - أو هذه الفروض العلمية - على نطاق واسع في كل الأرض ، لهدف غير خاف بيّنوه صراحة في"برتوكولاتهم"حيث قالوا:"لقد رتبنا نجاح دارون ونيتشه وإن تأثير أفكارهما في عقائد الأمميين واضح لنا بكل تأكيد" (83) . فحين يُنْفَى الخلق عن الله ، وحين يكون الإنسان متطورا عن أصل حيواني ، وحين لا يكون لخلقه غاية ، فما مجال الدين ؟ وما مجال القيم ؟ وما مجال الأخلاق .. المبنية كلها على أساس أن الإنسان كائن متفرد عن عالم الحيوان ، وأن أشد ما يميزه عنه هو الوعي والإرادة والحرية ، وأن له طريقين لا طريقا واحدا كالحيوان ، وله القدرة على التمييز بين الطريقين والقدرة على اختيار أحد الطريقين:
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (84) .
وسرت كذلك عدوى الانغلاق في حدود ما تدركه الحواس ، وحصر المعرفة في حدود المحسوس ، أو المعقول الذي يشهد له المحسوس التجريبي ، أي"العقلانية التجريبية"التي تنكر عالم الغيب ، وتهمل من عالم الشهادة ذاته ما يخرج من دائرة التجربة المحسوسة .. فقام من يفسر الجن والملائكة بأنها انعكاس روح الشر وروح الخير عند الإنسان ، ولا وجود لها في الحقيقة ، ويفسر معجزة انفلاق البحر بعصا موسى على أنها من أثر المد والجزر ، ويفسر الطير الأبابيل على أنها جراثيم الجدري .. وراح غيره ينكر القيامة والبعث والحساب والجزاء ، وراح ثالث ينكر الوحي والرسالة ، وراح غيره يقول: للقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللتوراة والإنجيل أن يحدثانا عنهما كذلك ، ولكن هذا وذاك لا يثبت لهما وجودا تاريخيا !!
وفي التيه تنكرنا لتاريخنا وأمجادنا ، ونظرنا إليها - في أحسن الأحوال - على أنها أحداث زمان ولّى ولن يعود .. وفي بعض الأحيان على أنها أحداث هامشية لا وزن لها في خط سير التاريخ .. وفي بعض الأحيان على أنها أحداث مخزية يتنصل من الارتباط بها"المثقف"الحق .. والمتحرر الحق .. والمعاصر الحق .. وفي جميع الأحيان على أنها أحداث ساذجة ليس فيها الذخر الحي المتدفق ، الذي يوجد في أحداث الغرب وتورايخه !!
ولا شك أن الغرب كان هو البارز في صفحة الأحداث يومئذ ، وهو القوي المتمكن الفعال المؤثر ، والأمة الإسلامية في ضعفها وتخاذلها وانحسارها مهمشة مغلوبة على أمرها في الواقع الحي الموار ، ينطبق عليها قول الشاعر:
ويقضي الأمر حين تغيب تيمٌ ... ولا يستأذنون وهم شهود !
نعم ! ولكن ما علاقة هذا بالتاريخ الماضي وأمجاده ؟! أتتغير حقائق التاريخ الماضية الثابتة الموثقة بتأثير الحاضر السيئ ؟! أتمحّى أمجاد أمة بسبب انتكاس جيل من أجيالها ؟!
حقيقة إن التغني بأمجاد الماضي على سبيل التعويض النفسي عن الواقع المنحسر ظاهرة مرضية ، لا تفترق كثيرا عن تعاطي المخدر للهروب من الواقع السيئ الذي يعجز الإنسان عن تغييره ، فيهرب منه في سبحات الخيال ..
ولكن الأمر يمكن أن يكون ظاهرة صحية لو سار في اتجاه آخر .. ذلك أن أمجاد الماضي حقائق مشهودة وليست سبحات من الخيال ، فإذا استخدمت - تربويا - لحفز الهمم المتقاعسة ، وإحياء العزة المتهاوية ، فهي رصيد حيّ يصلح لعلاج حالة اليأس التي أصابت المسلمين من جراء الهزيمة العسكرية والهزيمة النفسية . ولكن دعاة الغزو الفكري وقفوا بالمرصاد لأي محاولة من هذا النوع ، كأنما يخشون أن تؤتي تلك المحاولات ثمارها ، فيعود المسلمون إلى ذوات أنفسهم التي هجروها في وهلة الانبهار ، ويبدءوا مسيرة جديدة على هدى ذلك الماضي المجيد الذي عاشوه عدة قرون .. والغريب في الأمر أن موقفهم ذلك لم يكن صادرا من عند أنفسهم ! فقد كانت كتابات المستشرقين تصدر النغمة أول مرة ، فيتلقفها دعاة الغزو الفكري ، ويرددونها بلا وعي - أو ربما بوعي ! - لتخذيل كل من يحاول إعادة الأمة إلى مجدها القديم !