فهرس الكتاب

الصفحة 21843 من 27364

[الكاتب: حسن الحسن]

قد يتساءل البعض؛ أولم يفتح الإسلام آفاق العلم والمعرفة أمام الإنسان، أولم يأخذ المسلمون الكثير من الاكتشافات والإنجازات المدنية عن الآخرين، فلِمَ ذلك الرفض للديمقراطية، أوليست مجرد آلية انتخاب ممكن الاستفادة منها؟

والجواب على ذلك هو؛ بلى، إنّ الإسلام أطلق ملكات الإنسان ومواهبه لاستثمار خصائص الطبيعة واستغلال كافة المكونات التي يتميز بها هذا الكون الفسيح فيما يعينه على عمارة الأرض واستعمالها على النحو الأمثل، فيما يحقق له الرقي والرفاهية والطمأنينة أثناء إقامته فيها، وله أن يستفيد من تجارب الآخرين من غير أدنى شك، فالعلم عالمي والمعارف المجردة عن وجهة النظر في الحياة هي مادة يبنى عليها ولا يصح إلغاؤها أو إهمالها، بل إن هذا هو نفس ما فعله النبي الكريم عندما استفاد من خبرات الفرس بحفر الخندق حول المدينة، وكذلك ما استفاد منه الخلفاء الراشدون من تدوين الدواوين وما يتعلق بشؤون الإدارة، حيث التمسوها من عند غيرهم من الأمم.

لكن كل ما سبق يندرج تحت عموم أدلة عمارة الأرض التي تترك أمور الدنيا ومنجزاتها المادية للبشر، فقد قال النبي الكريم: (إن كان أمر دنياكم؛ فشأنكم، وإن كان أمر دينكم؛ فإليَّ) .

وهذا على خلاف الأفكار والقوانين ذات الصبغة التشريعية التي تقدم معالجات شؤون الإنسان سواءً الخاصة به، أو تلك التي ترتب علاقته بربه أو بغيره، والتي تخضع لدائرة التشريع الإلهي وتنم عن وجهة نظر في الحياة، حيث يقول الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ، كما يقول: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} ، ويقتصر فهم الحكم واستنباطه في ذلك على الوحي وما يستمد منه حصراً يقول الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ، وقوله: {ممن يطع الرسول فقد أطاع الله} ، ويسخر الإنسان في هذا الجانب ملكاته وخبراته المعرفية لفهم مراد الله تعالى من خلال قراءة الإسلام، بما يفيد ويشرح تلك الرسالة من غير حشوٍ فيها ولا تجويفٍ لها ولا إفراغ لها من مضمونها، بل ينبغي التوقف عند دلالات النصوص بحسب ما تقتضيه المعارف اللغوية والشرعية اللازمة لذلك.

ولا ينبغي أن يولّد هذا الفهم أن هناك تعارضاً أو هوةً بين العلم والإسلام، على العكس من ذلك، فإنّ في ذلك إشارة على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، فهو يتعامل مع الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً له حاجات عضوية وغرائز معينة مستقرة لا تتأثر بتغير الزمان والمكان.

أمّا الأشكال المادية وما يوفره العلم من اختراعات وتطورات مشهودة فقد كانت دائمة العرضة للتغير، وهي من الوسائل التي يستعملها الإنسان ليكيف حياته مع ما يؤدي بها إلى الرقي المدني والرفاهية.

وهذا ما أطلق فيه عقل الإنسان ويده، حيث قال النبي الكريم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) .

من هنا اعتبر العقل أداة الإيمان ومفتاح فهم سر الخلق، حيث يسلم تماماً بكل ما بني على ذلك الإيمان لجزمه ويقينه بأساس ما بني عليه.

كما ينطلق نفس العقل مبحراً في العلم المتعلق بشؤون المادة وأشكال الحياة ليبدع في معرفة آلاء الله وعظيم خلقه وليستثمره على وجهه الأمثل.

واستناداً لما سبق، فإنه ينظر في الفكرة المطروحة للنقاش، فإن كانت تحمل صبغة تشريعية تنظم وتعالج شؤون البشر وعلاقاتهم الإنسانية، كان ينبغي ضبطها بما أتى به نص أو وقع عليه اجتهاد مؤيد بالوحي، يقول تعالى: {ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ، كما يقول: {قل أغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ، وأما إن كانت متعلقة بالإدارة والوسائل والأساليب فتؤخذ من غير أية غضاضة.

والديمقراطية محل البحث ليست بطائرة أو ناقلة أو أداة اتصال وتواصل أو اختراع تقني أو آلة طبية أو وسيلة ترفيه، كما أنها ليست تنظيماً إدارياً لبعض مرافق الحياة، إنّما هي باتفاق الباحثين طريقة عيش ونظام حياة، تبلورت في صيغتها المشاهدة نتيجة صراعٍ مريرٍ في أوروبا بين الدين والعلم، أقرّ جراءه بسلطة الدين على أماكن العبادة مع عزله عن الحياة، حيث يتحكم بها البشر بما يرغبون به ويرونه مناسباً لهم، والمتطابقة مع تعريفها إثر نشوئها في أثينا [500 ق.م] ، بمعنى؛ حكم الشعب بالشعب، والذي ترجع كل أشكال الديمقراطية مهما اختلفت تسمياتها إليه حتماً.

فكيف يلتقي فكرٌ قائمٌ على أساس تقديس الإنسان وجعله سيداً في الكون من غير قيدٍ له سوى رأيه وهواه وما يتصوره مصلحة له، مع الإسلام الذي يحذر من الإعراض عن شرع الله تعالى، حيث يقول: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون} ، بل يعتبر أن الإنسان قاصرٌ عن إدراك كنه الأشياء وتحديد مصلحته، يقول تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} .

وقد يقال؛ لماذا لا نأخذ إذن الديمقراطية على اعتبارها مجرد انتخابات، وهي آلية لتنصيب الحاكم ومبايعته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت