فهرس الكتاب

الصفحة 21844 من 27364

والجواب؛ هو أن هذا الادعاء هو منتهى العبث، فدولة الفاتيكان التي تمثل النصرانية تعتمد نظام الانتخاب لتنصيب"البابا"، فلمَ لا نقول؛"أن الإسلام هو نصرانية"، وكذلك الأمر فالشيوعية تبنى على الإلحاد المطلق وهي تعتمد آلية الانتخاب، فلمَ لا نقول عن الإسلام؛ شيوعية؟!

والحقيقة هي؛ أن المبادئ تبنى على عقائد تستند إلى قواعد فكرية، وأما الآليات والوسائل والأساليب فمن الممكن اشتراك كافة المبادئ والمذاهب والأديان فيها من غير أي داع للخلط بينها.

والديمقراطية قد تتم من خلال انتخاب ممثلين عن الشعب أو من خلال الاقتراع والاستفتاء المباشر أو من خلال العصيان المدني والتظاهر... الخ، وليست الانتخابات هي الحتمية الوحيدة لها، وهي حين تقوم بإنفاذ إحدى تلك الآليات إنما مقصودها هي جعل الشعب هو السيد والمرجع وهو الآمر الناهي، بينما تجد الإسلام يحدد مرجعيته بقوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} .

وقد يقال؛ لم لا نأخذ الانتخابات من الديمقراطية إذن طالما أنها مجرد آلية؟

والجواب هو؛ طالما أن الانتخاب ليس حكراً على الديمقراطية، فلم لا تأخذها من حيث شئت، بل لم لا تؤخذ من الإسلام نفسه؟ فقد قال النبي الكريم للأنصار: (أخرجوا إليّ منكم إثني عشر نقيبا) ، أولم تنتخب جموع الصحابة أبا بكر الصديق حاكماً عليهم؟ أوليست الانتخابات متوفرة في الإسلام فلماذا التمسح بالديمقراطية إذن؟!

وبهذا فإن انتخاب الأمة لمن ينوب عنها في تطبيق الإسلام عليها أو انتخاب من يمثل مجموعة ما في محاسبة الحاكم أو لمجلس الشورى أو كوكيلٍ في أي قضية ما هو أمرٌ ليس فيه أي غضاضة، ولم يكن هناك حاجة لتجريد الفلسفة الديمقراطية من جوهرها لتقزيمها ووضعها في الانتخابات كي تتواءم مع الإسلام.

ولهذا ينبغي محاكمة حقيقة الديمقراطية كما هي، لا ما يحاول البعض أن يصوره على أنه ديمقراطية، والمشكلة الكبرى هي أن الذين يتحدثون عن تلخيص الديمقراطية بالانتخابات، فإنهم يتجاوزون ما هو أهم من ذلك بكثير، ففوق أن الديمقراطية كمصطلح هي مفهومٌ يُعنى بمقدس واحد في الحياة هو الإنسان لا شيء سواه، وهو حرٌ بتحقيق رغباته كما يشتهي ويهوى ويراه منفعة له، فإنّ لها أركاناً ينبغي الوقوف عليها ومحاكمتها قبل أن نصل إلى موضوع الانتخابات التي تشكل إحدى آليات تنفيذها وليست الحتمية الوحيدة.

تعتبر الحريات العامة هي أركان الديمقراطية، والتي تتمثل بالحرية الشخصية، حيث يلبس المرء أو يتعرى ويتزوج أو يزني بمن يشاء وكيفما شاء.

الحرية العقائدية؛ وتشمل حق اختيار عبادة الله أو الشيطان أو التناوب بينهما أو الإلحاد فيهما، حسبما يقضي به هواه.

وحرية الرأي والفكر والتعبير؛ حيث يعتبر المرء طليقاً من القيود حراً باختياره وبمناداته بالسلوك الفطري الطبيعي أو بالشذوذ بكل أشكاله الجنسية والفكرية والطعن بالعقائد ونقد الأنبياء وانتقاصهم، ولا مانع طبعاً من ادعاء الألوهية.

وتطلق حرية التملك للمرء؛ حيثما تمكَّنَ من التكسب، بغض النظر عن القيم الأخلاقية أو الدينية أو الإنسانية.

ولو حاكمنا أركان الديمقرطية لوجدناها تتناقض مع الإسلام على نفس مستوى تناقض الفكرة الأساسية لعقيدة الإسلام، حيث الحكم لله لا للشعب.

فالحرية الشخصية؛ منضبطة بحسب أحكام الإسلام في الملبس والمأكل والمشرب بنمط معين لا يصح الخروج عنه ولا العدول إلى سواه.

وحرية العقيدة؛ فعلى الرغم أن الإسلام لا يجبر غير المسلمين على اعتناقه، {لا إكراه في الدين} ، إلا أن من اعتنق الإسلام فإن حكمه الموت إن ارتدّ بعد إيمانه ولم يتب، يقول النبي الكريم: (من بدل دينه فاقتلوه) ، وهذا مناقض لحرية العقيدة.

وكذلك حرية الرأي والتعبير؛ حيث يقول الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيبٌ عتيد) ، ويقول النبي الكريم: (وهل يكب الناس على مناخرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم) ، بل إن هناك تعابير عقوبتها القتل، كمن ينتقص الرسول عليه الصلاة والسلام.

وأما التملك؛ فإن الأصل في الإنسان بحسب أحكام الإسلام أن المال لله، وأن الإنسان مجرد وكيل عن الله في التصرف فيه، وأنه محاسب على كل ما امتلكه، حيث يقول النبي الكريم: (وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) .

لذلك كله نجد أن الديمقراطية تتناقض مع الإسلام سواء من حيث العقيدة أو أركانها الأساسية.

ولا يمكن بحال القول؛ بالتوأمة بين الديمقراطية والإسلام.

حيث تبنى الأولى على استقلال الإنسان عن الله وحريته المطلقة بينما يحدد الإسلام دور الإنسان وغايته ويضع له نظاماً خاصاً يفرض عليه نمطاً معيناً في العيش.

ومن هنا نجد مدى اتساع الهوة والتضاد بين الإسلام والديموقراطية، حيث لا إمكانية لتزاوجهما أو دمجهما إلا بإلغاء أحدهما الآخر حكماً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت