خباب بن مروان الحمد
الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلَّى الله وسلَّم على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلَّم تسليماً كثيراً أمَّا بعد:
من يتابع وسائل الإعلام وما تعرضه من أخبار سيجدها في الأغلب تتحدث عن مشاكل المسلمين وقضاياهم المتأزمة ؛ فالمسلمون يعيشون في زمن تكالبت عليهم فيه الأحداث ، وتتابعت عليهم المخاطر، وأصبحوا كل يوم يترقبون حدثاً جديداً ، أو نازلة خطيرة . والعالم الإسلامي ـ بالذات ـ يعيش بعد ضربات الحادي عشر من سبتمبر في دوامة أخبار، وتلاحق أحداث بشكل مذهل.
في قلب هذه الأزمات تذكرت كلام القائد الشيوعي الملحد [ لينين] حين قال: عقود تمر على الأمة لا يحصل فيها شيء ، ثمَّ تمر سنون تحصل فيها عقود، وصدق وهو كذوب ! فقد صرنا نعاصر سنوات حصلت فيها حوادث أكثر من عشرات السنين، وكان للمسلمين فيها الحظ الأوفر من المآسي الفظيعة ، والأوضاع المؤلمة.
وهكذا تمضي العقود بأيامها ، وتدور الأيام دورتها وتبقى المصائب تتوالى على المسلمين ، ويكون حال أكثر المسلمين حيال تلك الأحداث: المظاهرات والاحتجاجات التي تشجب الصلف الصليبي ـ الصهيوني ، والهتافات الجماهيرية المستنكرة لحمَّامات الدماء التي تجري هنا وهناك في أقاليم المسلمين.
وبعد أن فُرِّغَت تلك الشحنات المكبوتة ، وأحرق المتظاهرون الأعلام الأمريكية والصهيونيَّة ، ومع مرور أيام قليلة تنطفئ القضية التي ثِيْرَ لأجلها عقول الكثير من المسلمين ، وتتلاشى جذوة الحماس التي اشتعلت قليلاً في ضميرهم ، وتُتَنَاسى تلك الفواجع ، إلا إذا كانت حديث مجالس يُتَذَكَّرُ بها ظلم قوم بغوا على آخرين، ويظن الكثير منهم أنّه بذلك ينتهي دورهم ، وتنقضي المسؤولية المناطة بهم.
ودعنا ـ ياصاح ـ نتصارح ؛ فبعد أن نرى تلك الأخبار ، ومجازر المسلمين، والذلَّة والمهانة التي أصابتنا... بعد هذا كله:
هل حرَّك ذلك في قلوبنا شيئاً؟ هل نصرناهم بشيء من أنواع النصرة؟ هل سألنا أنفسنا جادين: كيف نخرج من تلك الأزمات والتيه الذي نعيشه من عشرات السنين؟
إنَّ هذه الأسئلة لم يستشعرها إلا القليل ؛ فقد كان موقف الأغلبية ممن يتابعون الأخبار هو الصمت العجيب وعدم العمل لنصرة أولئك المستضعفين. وقد نجد الفرد منهم يشاهد ذلك لأجل أن يتكلم في المجالس، ويناقش ويحلل ويختلف مع إخوانه وخلاَّنه ، وكأنَّه في اتجاه معاكس ؛فيرفع صوته ، ويرغي ويزبد، لم يتقن إلا فن الصراخ . أو يكون موقف كثير ممن يتابع الأخبار إلقاءهم باللائمة على الآخرين دون أن يراجعوا أنفسهم مراجعة صادقة ، ويروا ماذا فعلوا من التقصير في حق الله من الذنوب والمعاصي ، وما فعلوه في حق إخوانهم من التقصير في حقوقهم ، وعدم بذل الجهود المستطاعة لنصرتهم ، أو أن يكون موقف بعضنا البكاء والتأوهات ودعاوى العجز، وكأنَّ لسان حال الكثير منا: السيل الهادر لا تسده عباءتك.
إنها لمأساة حين نصاب بتبلد إحساس عجيب ، وشعور تجاه أوضاع إخواننا غريب، وقد نرى تلك المجازر ثمَّ إذا أطفأنا التلفاز، وارتحنا دقائق ، تابع بعضنا بعد ذلك الأفلام الخليعة ، والمسلسلات الهابطة، وكأنَّ شيئاً لم يكن!
وكان من الواجب أن يكون المتابعون للأخبار أكثر الناس عملاً واستشعاراً للمسؤولية ، وأن تغرس في نفوسهم بواعث عمل، ووقود همة، وعزمة إرادة لتغيير الواقع المرير.
تُرَى ... ألا تستدعي تلك [المواقف الضعيفة] من المسلمين تجاه أعدائهم، وقفة مراجعة ، وبحثاً عن الإشكاليات التي يقع فيها المسلمون، ووصف الدواء العاجل لدفع العدو الصائل الذي أفسد الدين والدنيا معاً؟!
* مواقف سلبيَّة بعد سماع الأخبار:
إنَّ من تلك الأزمات والإشكاليات التي يقع فيها المسلمون بعد سماعهم الأخبار، ونقاط الضعف التي حلَّت في سويداء قلوبهم ، غير مستشعرين خطأ المسيرة ، واعوجاج طرق التفكير، ما يلي:
[1] تغليب جانب العاطفة والارتجالية في الأعمال ، والعفوية في مواجهة الأحداث وليتها أعمال بطولية تثخن في الأعداء بضوابطها الشرعية ! وإنما هي هتافات وشعارات غلبت على العقل والتفكير المثمر العملي ، يعقبه السكون والخمود والخمول غافلين عن أسباب تلك المصائب التي عصفت بنا ، ومتناسين للحلول العملية التي نقاوم بها تلك المخاطر ، بناءً على الأوامر الشرعية ، والاهتداء بسنة خير البرية صلى الله عليه وسلم .
وممن شخَّص هذا المرض من علماء المسلمين الشيخ الراحل مصطفى السباعي ـ يرحمه الله ـ ؛ حيث ذكر أنَّ المسلمين ينتفضون انتفاضة وقتية لمصيبة حلَّت بهم ثم يخمدون وكأنَّ الأمر لم يكن، حيث كتب: (( لو هدمت الكعبة لما ضجَّ المسلمون اليوم أكثر من ثلاثة أيام ) )هكذا علمتني الحياة [صـ91] وصدق رحمه الله ، فما أشبه الليلة بالبارحة!