فهرس الكتاب

الصفحة 26184 من 27364

[2] طيبة القلب الزائدة ، وإحسان الظن بالعدو ولو قليلاً، وتصديق بعض شعاراتهم ، وهذا شيء لا أبالغ فيه ، فكثير من المسلمين كان يظنُّ أنَّ أمريكا أعقل من أن تفعل بهم تلك الجرائمَ الوحشيَّة ، والإهانات النفسية ؛ باعتبارها راعية لمجلس الأمن ، وقوات حفظ السلام ، وأنها ترفع شعارات العدالة والحرية والديموقراطية [الزائفة] !

ولذا ظنَّ الكثير منا أنَّ قاتله سيرحمه ولو قليلاً، ويعطيه فرصة شرب الماء قبل الإجهاز عليه ، وهذا ما حدث بالضبط بعد أن قُتل الشيخ أحمد ياسين ـ رحمه الله ـ ؛ فقد ظنَّ الكثير من المسلمين أنَّ اليهود قد يصمتون قليلاً ويرفقون بالمساكين الفلسطينيين ليلملموا جراحهم ، ولتجف مآقيهم من البكاء ؛ ومع ذلك فإن اليهود كانوا أمكر وأخبث ؛ فقد عاجلوا المجاهدين في فلسطين بضربة نوعية أخرى، فقتلوا الدكتور المجاهد عبد العزيز الرنتيسي ـ تقبله الله في الشهداء ـ غيلة ومكراً، ثمَّ أعقبوها بمجازر القصف والتنكيل بإخواننا في غزة وجباليا وغيرها من المدن الفلسطينية الأبية.

وهكذا أعداء الدين ؛ فهل بقي لنا مجال أن نحسن الظنَّ بالآخر ؟ [ الكافر] أو أن نرفع له لافتات السلام ، ليقابلنا بالود والوئام ؟!

إنهم المفسدون في الأرض ولن يُتوقع منهم إلا كل خبث وسوء وإجرام.

هل لَمَحْتُم طيبةً من حية * أو لمستم رقة من عقرب؟!

وصدق الله [ لا يرقبون في مؤمنٍ إلَّاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ] التوبة [10] .

[3] غلبة الكلام والحديث وقلة العمل ، فنحن نتحدث عما لا نريد ولا نتحدث عما نريد ، فكلامنا كثير في سب المحتل الأمريكي ـ الأوروبي ـ الصهيوني ، وحلفائهم من المنافقين ، ولكنَّ القليل منا من يتحدث عن واجبنا تجاه الأحداث، وهو ـ و للأسف ـ أمر نادر في برمجة تفكيرنا ، ولو طُلِبَ من هؤلاء القوم الذين يغلِّبون الكلام على العمل ، لو طلب منهم القليل لنصرة هذا الدين لوجدت التلكؤ، والتراجع والتقهقر، والحوقلة والاسترجاع، والتفنن في التهرب من المسؤولية والعمل.

فما أشبههم بقصة الأعرابي ؛ الذي كان معه بعض الإبل ، فجاءه اللصوص وسرقوها منه فلم يقاومهم بشيء، فلما ذهبوا وساروا بإبله ، شتم اللصوص ، ولعنهم. فسأله أهله عندما رجع إليهم بدون الإبل: ماذا فعلت؟ فقال:"أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل"!!

فإذا كان كثير من المسلمين أهل كلام وشجب واستنكار، وقومٌ ينفعلون ولا يفعلون ، ويشجبون ولا يخطِّطُون أو يعملون، فلا غرابة أن يُنشِد اليهود والنصارى ساخرين من المسلمين كما قال حافظ إبراهيم على ألسنتهم مستخفِّين بالمسلمين:

قد ملأنا البر من أشلائهم * فدعوهم يملؤوا الدنيا كلاما

لا شكَّ أنَّ هذه المأساة التي يعيشها أبناء الأمَّة الإسلامية المريضة ، ينبغي أن تستدعي أهل العزائم لإحياء قلوب هذا الجيل المسلم ، وإمداده بالشريان الحيوي ، الذي يستقي منه معالم العزة ، وأنوار الرسالة ، حتَّى يتخطى تلك الأعمال العفوية التي لا ترعب كافراً ولا تنصر ديناً .

إننا بحاجة ـ وخاصة دعاة الإصلاح ، وعلماء الأمة وقادتها الربانيين ـ بعد أن نُشَخِّص تلك الأدواء التي تجثم علينا ؛ أن نصف لها الدواء ، فأمَّتنا بحاجة إلى ذلك الطبيب النطاسي ومبضع الجراح الأمين ، الذي يبحث في جذور المرض وتشعباته ، ويرفع أوهاق الخطر عن جسد هذه الأمة الجريحة بكل ثقة وإتقان ، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ"ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء"أخرجه البخاري في صحيحه .

ولهذا يتوجب على من يريد الرفعة لهذه الأمة ، أن يبحث في الوسائل المعينة على عزِّها ، والحلول المثمرة لنهضتها ، وأن يفكر التفكير الجاد لتوظيف مشاكل الأمة بما يخدم مصلحتها ، وقد قيل: رحلة العظيم تبدأ بفكرة.

وصدق الإمام حَمْد الخَطَّابي ـ رحمه الله ـ حين قال:"من صدقت حاجته إلى شيء كثرت مسألته عنه، ودام طلبه له ؛ حتى يدركه ويحكمه"معالم السنن للخطَّابي [4/832]

ومن هذا المنطلق فإنني سأركز في هذه الأسطر على جواب سؤال أرى أنه من الأهمية بمكان وهو:

إنَّ المسلمين منذ سبعين سنة وهم يعيشون في انحدار تلو انحدار ، ونكسات يتلوها نكبات ، مع أنَّ بعضهم قدَّم الدماء والأموال وكل ما يستطيع لنصرة هذه الأمة ، والوضع لم يزدد إلاَّ سوءاً ؛ فالتغول العسكري الغربي يمضي داخل بلاد الإسلام، والنموذج الغربي تلقَّاه الكثير من أبناء جلدتنا بالتبعيَّة المقيتة ، والتقليد الأبله ؛ فكيف السبيل الأمثل لاستعادة القوة، وانفكاك الأزمة ، واسترداد المجد؟؟

وجواباً على ذلك فإنَّ هناك أموراً أسأل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أن تكون معينة على تحقيق ذلك ، و لا أدَّعي فيها الكمال، ولكن لعلَّها تكون مقاربة للصحَّة ، ويبقى النقص لازماً فيها .

معالم على طريق النصر، وإضاءات للسائرين في قافلة العز

[1] ففروا إلى الله:

هذا نداء قرآني جليل ، ينبغي تأمله بعمق وشمولية ، فإنَّ من أولى الأولويات في ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت