فهرس الكتاب
أـ إفراد الله بالعبودية الكاملة ، وعدم الاستعانة والاستغاثة إلا به ، فتقوية ركائز الإيمان في قلوبنا سبب معين لنصرتنا على أعدائنا، وقد اشترط الله على من يريد أن ينصره ؛ أن ينصر اللهَ ـ عز وجل ـ [ ولينصرنَّ الله من ينصره] الحج [40] .
والمتأمل في حال الكثير من المسلمين يجد العجب العجاب في التفريط بهذا الشأن ؛ فكم هم القوم الذين لا يفردون الله بالعبادة والتوحيد وينزلقون في براثن الشرك ؟
وكم هم القوم الذين يشركون حاكمية الله بحاكمية غيره من الطواغيت والأنداد والقوانين الوضعية والمحاكم القانونية الكافرة ؛ التي لا تحكم بما أنزل الله ؟
وكم هم القوم الذين يتعبدون الله بالبدع والضلالات ، ويلزمون الناس باتباعهم في تلك الخرافات؟
وكم هم القوم الذين يوالون أعداء الله ويعادون أولياء الله بأساليب الأذى والتبكيت؟
وكم هم القوم الذين يتشبَّهون بأعداء المسلمين ؟
إنَّ تقصير الكثير من المنتسبين إلى الإسلام بتلك القضايا المصيرية أمر واضح ، فمتى يترك هؤلاء ذلك الخطل والخلل؟!
ولهذا فإنَّ الإمام ابن تيمية لمَّا رأى تكالب الجيش التتري المغولي على بلاد الإسلام وتقتيله المسلمين وكثرة الهزائم المتتابعة عليهم ، نظر بعين البصر والبصيرة أسباب تلك الهزائم فوجد أنَّ من أهمها إصلاح عقائد من تلوث ممن ينتسب للإسلام بدرن الشرك ، وقد حدَّث ـ رحمه الله ـ كيف أنَّه لما هاجم التتارُ بلادَ الشام ؛ خرج أهل الشام يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضُرِّهم ، وقال بعض شعرائهم:
ياخائفين من التتر * لوذوا بقبر أبي عمر
لوذوا بقبر أبي عمر* ينجيكموا من الخطر
قال ـ رحمه الله:"فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً"الاستغاثة [2/276ـ277]
ب ـ الاعتصام بكتاب الله ـ تعالى ـ وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنَّهما الركن إن خانتك أركان، وتقديم أوامرهما ونواهيهما على أي شيء عارضهما أو صرف النظر عنهما.
ج ـ تغيير ما بالنفس من معاصٍ وآثام، وحب للفواحش والمنكرات، فإذا أردنا أن ينصرنا الله فلنغير من أنفسنا ؛ وهذه قاعدة ربانية ذكرها الله في كتابه بقوله: [ إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتَّى يغيروا ما بأنفسهم] الرعد [11] ، وعن عبد الله بن عمرـ رضي الله عنهما ـ قال: كنت عاشر عشرة من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل علينا بوجهه، وقال:"يا معشر المهاجرين: خمس خصال إذا ابتليتم بهنَّ ـ وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ ـ: لم تظهر الفاحشة في قوم حتَّى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالسنين وشدَّة المؤنة وجور السلطان، ولا منع قوم الزكاة إلا مُنِعُوا القطر من السماء ؛ ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلِّط عليهم العدو فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل بأسهم بينهم] أخرجه الحاكم و البيهقي بسندٍ صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه وقال محققه في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به . انظر سنن ابن ماجه [2/1333] ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم [106] ."
تلك حقيقة ثابتة ، فإذا نحن عصينا الله ، وخالفنا أمره سلَّط علينا الأعداء والوباء والضرَّاء [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم] النور [63] .
وما يصيبنا الآن من المصائب والمدلهمات جزء لا يتجزأ من عقوبة الله لنا لتقصيرنا في حقِّه، وليس بيننا وبين الله حسب ولا نسب [ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم] الشورى [30] . فلا يحقُّ لنا بعد ذلك أن نتساءل: لم لا ينزل الله النصر علينا؟ ونحن مفرطون بأوامره ونواهيه ، وإذا كان ـ سبحانه ـ لم ينزل نصره على العصبة المؤمنة من الصحابة لخطأ ارتكبه بعضهم فلم ينالوا جميعاً ذلك النصر، وحين تساءلوا عن سبب ذلك، عزاه الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لأنفسهم قائلاً: [أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنَّى هذا قل هو من عند أنفسكم] آل عمران [165] .
وقد أُثر عن العباس بن عبد المطلب ـ رضي الله عنهما ـ:"ما نزل بلاء إلا بذنب ، وما رُفع إلا بتوبة"، ورحم الله أبا الدرداء ـ رضي الله عنه ـ حيث كان يقول للغزاة:"أيُّها الناس ! عمل صالح قبل الغزو ، فإنَّما تقاتلون بأعمالكم"أخرجه ابن المبارك في كتاب الجهاد صـ61 رقم [5] وبوَّب له البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه فقال: [باب: عمل صالح قبل القتال ] [6/24] . ولله درُّ الفضيل بن عياض حين قال للمجاهدين عندما أرادوا الخروج لقتال عدوهم:"عليكم بالتوبة ! فإنها ترد عنكم ما ترده السيوف".
د ـ صدق اللجوء والتضرع إلى الله ، ودعاء الله بقلب وَجِلٍ ؛ فنحن عبيد لله ، وهو ـ سبحانه ـ يحب أن يسمع دعاء عبيده في كشف الضر عنهم وهم منطرحون بين يديه ، أمَّا إذا رأى عبيده قد استغنوا عنه ونسوه فإنه سينساهم مقابلة لهم بعملهم السيئ [نسوا الله فنسيهم] التوبة [67] .