إعداد الشيخ:أبو زيد بن محمد مكي المحاضر بجامعة أم القرى 10/3/1424
المقدمة
الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن الغرب إذا شعر بظلمه للمسلمين , وبخوفه من انتقامهم , أو ارتبطت بهم بعض مصالحه فخاف عليها , رفع مباشرة شعار التعايش السلمي , والتسامح ونسيان الماضي , والتقارب , والتحاور , ونحو ذلك من الشعارات , ليأمن على نفسه ومصالحه بذلك , وينشر دينه وثقافته كذلك .
ومما يؤسف له أن تجد بعض من ينتسب للفقه الشرعي- فضلاً عن غيرهم من العصرانيين - يسارع في الإجابة , ويتهم غيره بالتقوقع والانغلاق وضيق الأفق , ثم قد تنكشف لبعضهم الحقيقة , فيعود محذراً , وكثيراً منهم يستمر في عماه , بل ويؤول النصوص الشرعية لتوافق مراد الغرب الكافر , والله المستعان .
ولهذا أحببت أن أكتب في موضوع"الحوار بين الأديان: حقيقته وأنواعه", وفق الخطة التالية: قسمت البحث إلى مبحثين , لكل مبحث مطالبه كما يلي:
المبحث الأول: حقيقة الحوار بين الأديان , وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: معنى الحوار لغة و اصطلاحاً .
المطلب الثاني: معنى الحوار بين الأديان .
المطلب الثالث: حقيقة الحوار بين الأديان في المنظور الغربي .
المبحث الثاني: أنواع الحوار بين الأديان , وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: حوار التعايش والتسامح .
المطلب الثاني: حوار الدعوة والبلاغ .
المطلب الثالث: حوار التقريب .
المطلب الرابع: حوار الوحدة .
المطلب الخامس: حوار الاتحاد .
ثم اختتمت البحث بخاتمة , ذكرت فيها أهم النتائج ,أسأل الله تعالى بمنه وكرمه الإعانة والتوفيق والإخلاص
المبحث الأول: حقيقة الحوار بين الأديان .
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: معنى الحوار لغة و اصطلاحاً .
أولاً معنى الحوار لغة:
الحِوَار في اللغة: مشتق من الحَوْر , وهو الرجوع . قال تعالى: ( إنه ظن أن لن يحور . بلى ) (1) فالحوار هو: مراجعة الكلام (2) .
والمحاورة: المجاوبة (3) .
وأحار الرجل الجواب أي ردَّه .
وما أحاره أي: ما ردَّه (4) .
ثانياً: معنى الحوار اصطلاحاً .
الحوار اصطلاحاً: هو لفظ عام يشمل صوراً عديدة منها المناظرة والمجادلة (5) ويراد به: مراجعة الكلام والحديث بين طرفين , دون أن يكون بينهما ما يدل بالضرورة على الخصومة (6) .
وقد يكون مرادفاً للجدل , كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1) وقد يفترقان حين يتحول الحوار إلى لدد في الخصومة , فهو حينئذ يسمى جدالاً لا حواراً (7) وقد يكون الحوار مرادفاً للمناظرة , لأن المتناظرين يتراجعان الكلام في قضية ما , بعد النظر فيها بعين البصيرة , إلا أن المناظرة أدلُّ في النظر والتفكر , كما أن الحوار أدل في الكلام ومراجعته (8) .
المطلب الثاني: معنى الحوار بين الأديان
الحوار بين الأديان من المصطلحات الحادثة المجملة , وهو يتنوع بحسب أهدافه وأغراضه إلى عدة أنواع , منها ما هو حق , إذا كان الهدف شرعياً , ومنها ما هو باطل , إذا كان الهدف مذموماً شرعاً .
ولذلك فإن هذا المصطلح لا يرد مطلقاً لأننا بذلك نرد الحق الذي فيه , ولا نقبله مطلقاً لأننا بذلك نقبل الباطل الذي فيه .
ومما تقدم , يمكننا أن نقول أن للحوار بين الأديان عدة معاني بحسب أهدافه وأغراضه منها:
1-حوار الدعوة أو التنصير .
2-حوار التعايش أو التسامح .
3-حوار التقريب .
4-حوار الوحدة .
5-حوار الاتحاد (9) .
وسيأتي بمشيئة الله تعالى , بيان معنى كل نوع من هذه الأنواع في العالم الإسلامي وفي العالم الغربي , وأبرز المؤسسات أو الشخصيات الداعية له .
المطلب الثالث:حقيقة الحوار بين الأديان في المنظور الغربي:
الحوار بين الأديان في المنظور الغربي بكل أنواعه وسيلة تنصيرية , واستعمارية , ومناورة سياسية لوقف القتال بعد تحقيقهم لبعض المكاسب .
ذكر دانيال آر بروستر , في محاضرة له بعنوان"الحوار بين النصارى والمسلمين"عدة حقائق توضح حقيقة الحوار عند النصارى منها:
1-في عام 1960 م , رفع مجلس الكنائس العالمي الحوار مع المسلمين , وكان يعتبر هذا الحوار وسيلة مفيدة للتنصير , فإن الحوار الذي هو وسيلة لكشف معتقدات وحاجيات شخص آخر هي نقطة بداية شرعية للتنصير .
2-وفي عام 1968 م , نقل الحوار خارج محيط التنصير ,واكتفى بالإقرار بصحة الديانة النصرانية , وفتح أبواب الصداقات , والمشاركة في الحياة على وفق ما يراه النصراني .
3-إن الهدف من الحوار هو إقناع الآخرين باتخاذ قرارات معينة , فإن بدر منهم ذلك فدعهم يسمونه ما يشاءون (10) .
وذكر هيوكيتسكل - زعيم حزب العمال البريطاني - في كتابه"التعايش السلمي والخطر الذي ينتابه"تعريف التعايش بأنه:"مناورة خالصة , وهي ظاهرة مؤقتة , قد تقتضي تحوير السياسة بوقف القتال , وتخفيف الضغط" (11) .
ومما جاء في الكتاب الصادر عن الفاتيكان عام 1969 م: