يجب على الفكر الإسلامي الحديث لكي يستعيد حيويته أن يعيد تفسير المبادئ المعيارية والدينية الأساسية للإسلام، بطريقة تعارض الطبيعة الشمولية للنظم السياسية والتربوية الحاكمة في العالم الإسلامي المعاصر، والدعم الذي تلقَّته مع انقضاض العولمة على السوق العالمي والنفس الإنسانية، فإذا ما قبل المرء بأن المساواة بين البشر هي صلب الرؤية الإسلامية ، توجب عليه أن يخلص إلى أنه يلزم لاتباع المثاليات الإسلامية معارضة أشكال القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري التي تبدو حالياً مسيطرة على العالم الإسلامي، بعبارة أخرى يجب علينا تعزيز رؤية إسلامية للعالم ذات طبيعة تحررية، وأن تكون ذات معنى للإنسان العادي وهذه هي المقدمة الأولى.
أما القاعدة الرئيسة الثانية: فهي تاريخية إلى حد ما وتتصل بالأساس، بالتغيرات الاجتماعية الاقتصادية الهائلة الجارية في الغرب الرأسمالي الحديث وتأثيراتها السياسية والفكرية على العالم والفكر الإسلامي المعاصر عموماً، ومن السذاجة افتراض أن الفكر الإسلامي يتبع حركيات داخلية معينة ليس لديها ما تقدمه إزاء الطفرات المعقدة في الفكر الغربي الحديث، أو أن الفكر الإسلامي الحديث يرفض الاستعارة من مصادر خارجية.
إن إدراك طبيعة التحولات الاقتصادية والسياسية والفلسفية في العالم الغربي الحديث يعنى التعامل بجدية مع مجمل تاريخ الفكر الغربي من الماركسيين وما بعد الماركسيين إلى الرأسماليين والعولمة وتجلياتها الأخيرة، وقد يحاجُّ البعض بأن تاريخ الغرب، وبالأخص الأمريكيّ والأوروبيّ، شهد تحوُّلات رئيسة في رؤيته للعالم وآخرها العولمة، ولا تزال الإشكاليات الناتجة من الحداثة تعجز الفكر الإسلامي عن التقدم.
تبدو العولمة لأغلب المفكرين في العالم الإسلامي، بدءاً من المنادين بالتغير الجذري إلى المحافظين، ظاهرة محتومة، ومن الصحيح بمعنى من المعاني أن مصير العالم الإسلامي متداخل أشد التداخل مع الرأسمالية الغربية المنتصرة بسبب الطفرات التاريخية والسياسية والفكرية في الغرب الحديث، ومع ذلك تبقى أسئلة عديدة تنتظر الإجابة: فماذا تعنى العولمة في سياق عالم ما بعد الاتحاد السوفيتيّ وما بعد الحرب الباردة والعالم ما بعد الحديث وفي سياق الرأسمالية الغربية المهيمنة والعدوانية ؟ ما مصير الدول القومية المنشأة خلال عصر الحرب الباردة في ظل العولمة؟ كيف تغيَّر المجتمع المدنيّ في العالم الإسلامي في العقد الماضي؟ وهل انهيار الاقتصاد والمجتمع الإندونيسيّ مؤخراً نتيجة مباشرة لتجاوزات العولمة؟ (6) وما دور المفكرين المسلمين في عصر التحوُّل الحاد ؟ كيف يمكن الحفاظ على الملامح الأساسية للهوية الإسلامية في السياق السالف، خاصة إذا كانت هذه الملامح قد تم الإعراب عنها في مرحلة ما قبل العولمة ؟ وإذا ترجمت المحافظة على أنها آلية دفاعية، فما الأدوات المفاهيمية التي يجب ابتداعها لإعادة الحيوية للفكر الإسلامي الحديث حول العولمة؟ وأخيراً لما كانت صناعة الإجماع في المجتمع المعاصر تقوم على الأفكار، ويجرى تعليم الأفكار الرأسمالية الموجهة في المدارس الخاصة والجامعات في أنحاء العالم الإسلامي فأين تكمن المصلحة العامة للشعب؟
القاعدة الثالثة مشتقة من السؤال الأخير: فالعالم الإسلامي يمر بعملية مثيرة من التغير في أنساقه التعليمية، والتعليم الأفضل هو تعليم خصوصي، وللمحافظة على أبناء النخبة، وهى النخبة نفسها التي شنت ثورة فكرية صامتة ضد الجماهير في العقود القريبة، ويظهر انتشار المؤسسات التعليمية الخاصة ومراكز التعليم عن بعد في تركيا ومصر والأردن وماليزيا، بشكل لا تخطئه العين، إن التعليم سلعة غالية الثمن تباع لمن يعرض أعلى سعر (7) ولم تعد ثمة حاجة للانزعاج من"ثورة الجماهير"أو التوليفات الليبرالية للتعليم.
وبينما استمرت قدماً خصخصة التعليم وإكسابه طابعاً نخبوياً وغربنته وأمركته أمور لها دلالتها في العديد من أقطار العالم الإسلامي كان الناس العاديون قد سُلبوا كبرياءهم التقليدي ، وعمَّ وعى جديد على أساس من الفارق الطبقي التعليمي والتمايز الاجتماعي الاقتصادي، ويصح تطبيق الملاحظة التالية عن رجال القبائل في شمال شرق الهند على العالم الإسلامي:
لا يمكن إنكار قيمة التعليم الحقيقي في اتساع وإثراء المعرفة، لكن التعليم أصبح اليوم في العالم الثالث أمراً مختلفاً تماماً، فهو يعزل الأطفال عن ثقافتهم وعن الطبيعة، ويدربهم عوضاً عن ذلك، على أن يصبحوا متخصصين بشكل دقيق في بيئة حضرية مغربنة، وهذه العملية لافتة على وجه الخصوص في"لاداخ"حيث يجرى التعليم بشكل عمياني مانعاً الأطفال من رؤية المحيط الذي يعيشون فيه، فيتركون المدرسة غير قادرين على استخدام مواردهم الخاصة أو العمل في عالمهم الخاص (8) .
ففي العالم الثالث يتم التضحية بالقدرة الداخلية على الإبداع لحساب التخصص الدراسيّ العلميّ الذي يعد بمكاسب مالية (9)