فهرس الكتاب

الصفحة 26948 من 27364

نايف ذوابه 10/4/1426

بينما كانت تستعر الحرب في إقليم ناغورني كراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، ويستحرّ القتل بآلاف المسلمين في الإقليم المذكور، كانت محطّات التلفاز العالميّة تسلّط الضوء على مجموعة حيتان على شاطئ من شواطئ البحار في منطقة ما من العالم تصارع الموت، لينشغل العالم عن الجريمة المروّعة التي ارتكبها الأرمن بحق المسلمين في الإقليم المذكور بتواطؤ من إعلام الغرب الذي أصم آذاننا بحقوق الإنسان والحيوان، وكأن المسألة حين تتعلّق بالمسلمين لا يستحقّ الأمر أن يستيقظ ضمير هذا العالم الآثم على ما يتهدّد وجود المسلمين، على وجه الكرة الأرضيّة!!

وفي مدينة (سربينتشا) البوسنيّة أُبيد أكثر من عشرة آلاف مسلم كانوا تحت حراسة الشرعية الدوليّة براً وجواً، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والصخب السياسي، و اغتُصبت أكثر من ستين ألف امرأة مسلمة في إقليم البوسنة بينما حادثة اغتصاب واحدة في مجتمع من المجتمعات الغربية كافية لأن تقوم لها ولا تقعد منظمات حقوق المرأة، ومنظمات حقوق الإنسان، وأجهزة الصحافة والإعلام هناك!!

والتاريخ يعيد نفسه؛ فهناك تماثل واضح بين صفحاته؛ فالخصم هو الخصم والمكان هو المكان، والذرائع هي الذرائع، وكيف يمكن أن ينسى التاريخ المذبحة التي ارتكبها أحفاد هذا الغرب، وكان مسرحها المسجد الأقصى حين قتلت الجيوش الصليبية (492هـ) سبعين ألف مستأمن من المسلمين الأطفال والشيوخ والنساء حتى خاضت الخيول في دماء المستأمنين المسلمين، هؤلاء الذين رفض البابا يوحنا بولص الثاني أن يعتذر عما ارتكب بحقهم! ناهيك عن محاكم التفتيش في الأندلس التي استأصل بها أحفاد الغرب من مملكتي القشتالة والأرغون ( فرديناند وإيزابيلا) حضارة أقوام دامت ثمانية قرون هي حضارة الإسلام يوم كانت الأندلس قبلة لطلاب العلم من سائر أنحاء الغرب، والتي يعترف الغرب نفسه بأنها وصمة عارٍ في جبينه وتاريخه؛ بينما سارع البابا إلى كنيس يهوديّ في روما، وقدّم اعتذارًا شفويًا وخطيًا عما ارتكبه أسلافه بحق اليهود في سابقة بابويّة هي الأولى في التاريخ البابويّ!!

إن الإعلام صناعة خطيرة، يجري من خلاله تضليل الرأي العام في العالم عما يجري من جرائم هنا وهناك، ويجري تعليب الأخبار كما تُعلّب المواد الغذائيّة، وتُضاف إليها النكهات التي توهم بصدقيّتها وواقعيّتها؛ فأشهر الوكالات العالمية للأنباء هي الأسوشيتد برس، واليونايتد برس، ورويتر، وفرانس برس، وهي وكالات أنباء غربيّة، ومن المفارقات العجيبة أن حدثاً يجري في بلد عربيّ، ينقله بلد عربيّ آخر مجاور له عن وكالة الأنباء الفرنسيّة، ويُذاع وتتناقله وكالات الأنباء والإذاعات، قبل أن يبادر البلد نفسه بإعلان بيان رسمي بالخبر!!

إنه الاستعمار الإعلامي، وحضارة الوجبات السريعة التي تعتمد على النكهات الخادعة والموادّ الملوّثة الفاسدة، التي تقدّس الكذب والعنف، والغاية فيها تبرر الوسيلة. استمع لتشرشل كيف يبرر الكذب والخيانة في مبدئهم وطريقة عيشهم:"الحقيقة ثمينة، وللمحافظة عليها لا بد أن نسيّجها بسياج من الأكاذيب"!!

واستزد من جورج أوريل لتتعلم كيف تستطيع أن تنشئ مصنعًا للأكاذيب، وأنت (جنتلمان) مهذب نظيف بعيد عن الشبهة:"إن الروايات عندما تُرَدّدُ نفسَ الشيء بشكل متواتر فإن الكذب يمرّ في التاريخ ويصبح حقيقة".

ولقد أدرك الغرب عامة واليهود خاصة خطورة الإعلام، في بناء الرأي العام الذي يريدونه، وتسريب الحقائق المضللة التي يريدونها، فأحكموا سيطرتهم على أجهزة الإعلام المقروءة كالصحف والمجلات، والمسموعة كالإذاعات، والمرئية كالتلفاز والفضائيّات التي جعلت العالم قرية صغيرة مفتوحة، تلاشت فيها الجدران والسُّقف، وأصبحت أمريكا تقود أوسع عمليّات تجسّس في العالم حيث تتنصّت على كل ما يدور في الكرة الأرضيّة عبر مركز تنصّت إلكترونيّ تابع لوكالة الأمن القومي (NSA) كما يتعاون جهاز الاستخبارات الأمريكي (C.I.A) مع جهاز الموساد الإسرائيلي في إطار عمليّة تجسّسية معقّدة فريدة تعتمد على تفخيخ أجهزة الكمبيوتر المختلفة عن طريق برنامج يُسمّى وعد (P r omise) يسمح باختراق بنوك المعلومات في العالم، وأصبح عليك جاسوس في بيتك هو حاسوبك الذي زرعت فيه الشركات العالمية برامج تجسّس، وأصبحت أجهزتنا مفخّخة، ونحن نظن أننا بمأمن وسلام!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت