إن التضليل الإعلامي والإرهاب السياسي جزء من الحرب الباردة التي لم تنته بانتهاء الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة على المبدأ الشيوعي، والدول التي كانت تتبناه؛ فانتهت حرب على تلك الجبهة، واستمرّت حرب باردة على جبهة أخرى، ولكن بشكل أكثر ضراوة وتحدّيًا، مع خصم أكثر خطورة، ومبدأ صعب الاختراق والترويض، حرب مقنعة شعارها الحرب على الإرهاب والعنف وحقيقتها الحرب على الإسلام في طول الأرض وعرضها، وهي الحرب الحقيقية والمعركة الحقيقية للغرب لتغيير العقول، وحقن الأفكار بالسموم، وعولمة القلوب لتطهيرها من كراهية الغرب وطريقته في العيش ابتداء من الديموقراطيّة والحريّات السياسيّة والشخصيّة، وانتهاء باستمراء الزنا والخنا، والسماح بالإجهاض لتسهيل أمر الزنا، وعدم استهجان زواج المثليّين، والمطالبة بحقوقهم وعدم اضطهادهم، وعدم التعرض لعبدة الشيطان!!
ومن التضليل السياسي الذي تمّت دبلجته وإخفاء معالمه لدى الرأي العام إلى درجة استعصاء كشفه إلا على السياسي الخبير، والضليع المطّلع، والمراقب الذكيّ تسويق عبد الناصر على أنه بطل قومي، وأمل الجماهير في الوحدة والحرية, والمناهض للاستعمار الأمريكي، وقد كان عبد الناصر يهاجم أمريكا بشراسة، ويحاربها ويحارب سياساتها في الظاهر بينما في حقيقة الأمر أن ناصر والضباط الأحرار قد جاءت بهم أمريكا، وكان ناصر برتبة رائد، وكان في مطلع الثلاثينيّات من العمر حين قامت ثورة يوليو1952!! وقد أشار السادات في كتابه"البحث عن الذات"عن صلة الضباط الأحرار بِ ( كافري) السفير الأمريكي في القاهرة، واجتماعهم به في اليوم السابق للانقلاب، وقد تآمرت بريطانيا على ناصر في العدوان الثلاثي عام 1956 ومعها إسرائيل وفرنسا، ولم ينقذ ناصر من السقوط سوى الضغوط الأمريكية على إسرائيل بالانسحاب من سيناء، وعلى بريطانيا بإيقاف الهجوم تحت التهديد الأمريكي بإغراق الجنيه الإسترليني، والتسبب في انهيار الاقتصاد البريطاني، ولمّا عاد (إيدن) إلى خزينة الدولة لم يجد فيها سوى ثمانين مليون جنيه إسترليني، فأوقف إيدن الحرب تحت الضغط الأمريكي، واستقال من رئاسة الوزراء، وقبل أن يقدم استقالته في يناير 1957 حرص على أن يقدّم ما وصفه بوصيّته وشهادته الأخيرة في أعقاب كارثة السويس، فقال:"إذا أردنا أن نلعب دوراً مستقلاً في العالم، فعلينا أن نضمن استقلالنا المالي والاقتصادي"!!
وقد جرى تضليل الرأي العام العربي والعالمي، وأُوهم السياسيون البسطاء بأن ضربات حذاء خروشوف في هيئة الأمم المتحدة، وتهديداته هي التي أوقفت حرب السويس، وأخرجت إسرائيل من سيناء لإبعاد الشبهة عن عبد الناصر بالعمالة للأمريكان!!
أما ياسر عرفات الذي اغتالته إسرائيل بعدما استهلكته، وانتهى دوره (وهو الذي أخطأته ماكينة الاغتيال الإسرائيلية دائماً دون رفاقه؛ لأنه كان يتقن اللعب على الحبال، ويجيد التمثيل ويمتلك حاسة شمّ سياسية قويّة، وحدس قويّ للأخطار!) ، فقد كانت أجهزة الإعلام الإسرائيلية تسوّقه، وتصمه بالمتطرف والإرهابي كجزء من التضليل السياسي واللعبة السياسيّة؛ إذ كيف سيقدم على ما أقدم عليه، وهو يتسربل بسرابيل الخيانة؟ فلا بد أن يوصف بذلك على عيون الرأي العام الفلسطيني حتى يظهر وطنيًّا ومناضلاً عنيدًا عن حقوق الشعب الفلسطيني!! وفي مقابلة مع إحدى الصحف الإسرائيليّة قالت ريموندا الطويل الإعلاميّة الفلسطينيّة ووالدة سها الطويل أرملة عرفات ردًا على مزاعم الصحيفة بعدم شعبيّة عرفات لدى الرأي العام الإسرائيلي وكراهيّته له: لماذا يكرهونه؟ لقد منحهم اعترافًا، وأقرّ بشرعية إسرائيل!! وطبعاً ما كان يجدي اعتراف العالم كله بإسرائيل لو لم يعترف بها عرفات رئيس السلطة الفلسطينية وممثل الشعب الفلسطيني صاحب الأرض وولي أمر الضحية!! ولقد صرح أحد أعضاء الوفد الفلسطيني في الوفد المفاوض في محادثات أوسلو في إحدى المرات حين تعقّدت المفاوضات، ووصلت إلى طريق مسدود في لحظة من لحظات الحقيقة:"إنّ ما نقدّمه من تنازلات هنا للإسرائيليين يُعدّ خيانة وطنيّة في نظر شعبنا".
وخلاصة القول: إن التضليل الإعلامي، وهو يصنع الرأي العام يقلب الحقائق، ويزور التاريخ، ويقلب المفاهيم، فيصوّر البطولة خيانة، والخيانة عملاً وطنياً، وتحت وطأة الظروف فإن الناس العاديين يهتفون للخيانة كما كانوا يهتفون للإخلاص والشهادة، وتصبح مسألة الحفاظ على حياة وأمن الإسرائيليين عملاً وطنيًا ليس أنبل ولا أقدس، ولا أرفع ولا أجلّ!! وهنا تصبح عملية كشف الحقائق والثبات على المبادئ في غاية الصعوبة والتعقيد.
ولعل هذه الأيام والظروف الصعبة التي تعيشها أمتنا تكون مرحلة عابرة، وسحابة صيف عما قريب تقشع، ولكن لا بد أن يتسلح خلالها المخلصون بإيمان صادق بثوابتهم، وإخلاص خالص لمبادئهم حتى يوفّقهم الله ويؤيّدهم، ويهيّئ لهم من يشدّ أزرهم؛ وليل الشتاء -على الرغم من طوله وحلكته- لا بد أن يعقبه النهار الذي سيكشف المستور، ويفضح الحقائق، ما لم يكن مدلهمًا غائمًا صاخبًا؛ وعندئذ ستطول رحلتنا مع الصبر الجميل!!