عرض:أنور بن علي العسيري 21/4/1424
الكتاب: هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية
نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين ؟ .
المؤلف: هنري كيسنجر.
الناشر:دار الكتاب العربي ، بيروت .
ترجمة:عمر الأيوبي.
عدد الصفحات:328 صفحة .
يثير هذا الكتاب المغلف بالرؤى الاستراتيجية فكرة السيطرة التي تراود النخب الفكرية السياسية الأمريكية هذه الأيام .. فمع توافد الكتب التي يؤلفون على دور النشر العالمية يتفاجأ الجميع بهدف إمبريالي واحد لا يكاد ينفك عن جميع نقاشات هذه الأقلام . غزو العالم بات هدفاً أمريكيا واضحاً . ومع هذا الكتاب الذي يحق لنا أن نطلق عليه"دبلوماسية الحرب الأمريكية على العالم"يحمل"كيسنجر"العالم برمته على كف أمريكا ليديره بالاتجاهات التي تحقق مكاسب هذه الدولة العظمى ، فمن محاورة هذه الدولة إلى اقتلاع الأخرى ، ومن دعم لذلك التكتل البعيد إلى تفكيك أي محاولات تكتل في المنطقة القريبة بما يحقق هدف الوجود الأمريكي الإمبريالي الجديد .. لقد باتت الكرة الأرضية برمتها ملعباً وساحة مهمة لاطماع هولاكو العصر الجديد .. من هنا آثرنا أن نفتح نافذة على هذه العقول المتأصلة في عالم الاستبداد لنتيح لقرائنا فرصة التقاط الأفكار وقراءتها من عقول أصحابها ؛ ولذا فقد جاء هذا الكتاب المدجج بنظريات الاحتلال ومراوغات السلطة ومحاولات اللعب على الثغرات وتأجيج نارها في مناطق العالم محاولة لفهم هذه الرؤية للعالم ، علّنا أن نعيها كمسلمين في لحظة تاريخية من عمر امتنا الاسلامية المشرق.
الفصل الأول:
أميركا في القمة: إمبراطورية أم زعيمة ؟
تتمتع الولايات المتحدة في فجر الألفية الجديدة بتفوق لم تضاهه حتى أعظم الإمبراطوريات في الماضي ، فمن صناعة الأسلحة إلى تنظيم العمل ومن العلوم إلى التكنولوجيا ومن التعليم العالي إلى الثقافة الشعبية تمارس الولايات المتحدة سيطرة لامثيل لها في كل أنحاء العالم ، والولايات المتحدة تعتبر نفسها مصدر المؤسسات الديمقراطية في العالم ، مما جعلها بشكل متزايد تنصّب نفسها حكما على نزاهة الانتخابات الأجنبية ، وتفرض عقوبات اقتصادية أو تفرض ضغوطا أخرى إذا لم تستوف معاييرها .
ونتيجة لذلك تنتشر القوات الأمريكية حول العالم من سهول أوروبا الشمالية إلى خطوط المواجهة في شرقي آسيا ، وتكاد تتحول هذه المحطات للتدخل الأمريكي ( حفظ السلام) إلى التزامات عسكرية دائمة ، ففي البلقان تؤدي الولايات المتحدة الوظائف نفسها في جوهرها التي قامت بها الإمبراطوريتان النمساوية والعثمانية عند منقلب القرن الماضي ، أي حفظ السلام بإقامة محميات مقحمة بين المجموعات الاثنية المتحاربة وهي تسيطر على النظام المالي الدولي بتوفير أكبر مجمع لرأس المال الاستثماري ، والملاذ الأكثر جاذبية للمستثمرين وأوسع سوق للصادرات الأجنبية ، وتحدد الثقافة الشعبية الأمريكية معايير الذوق في كل أنحاء العالم حتى عندما توفر شرارة الاستياء الوطني بين الحين والآخر!!
الطبيعة المتغيرة للبيئة الدولية:
إن فهم الوضع المعاصر بالنسبة للأمريكيين يجب أن يبدأ بالاعتراف بأن الاضطرابات الحاصلة فيه ليست انقطاعات مؤقتة لوضع راهن ، بل إنها تدل على تحول حتمي للنظام الدولي ، ناجم عن حدوث تغيرات في البنية الداخلية لكثير من المشاركين الأساسيين فيه .
إن مصطلح العلاقات الدولية بحد ذاته هو في الواقع حديث النشأة نسبيا ؛ لأنه يقتضي أن تكون الدولة القومية حتما أساس تنظيمه ، غير أن هذا المفهوم لم ينشأ في أوروبا إلا في أواخر القرن الثامن عشر ، وانتشر حول العالم عن طريق الاستعمار الأوروبي إلى حد كبير ، واليوم يواجه النظام الوستفالي أزمة منهجية وتخضع مبادئه للتحدي ، رغم عدم التوصل إلى بديل متفق عليه بعد ، لقد جرى التخلي عن سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى لصالح مفهوم التدخل الإنساني العالمي!! أو الولاية القضائية العالمية .
ومن هنا فإن الدولة القومية التاريخية باتت تدرك أن حجمها غير كاف لكي تلعب دورا عالميا رئيسا ؛ لذا أخذت تسعى لتجميع نفسها في وحدات أكبر.
التحديات التي تواجه أمريكا:
وجدت الولايات المتحدة نفسها في عالم لم تعد تجربتها التاريخية سوى القليل منه ، فقد رفضت مفهوم توازن القوى نظرا لوجودها آمنة بين محيطين عظيمين ، مقتنعة أنها قادرة على أن تنأى بنفسها عن نزاعات الأمم الأخرى ، أو أن بوسعها إقامة السلم العالمي بالإصرار على تطبيق قيمها الخاصة للديموقراطية وتقرير المصير .