فهرس الكتاب

الصفحة 15031 من 27364

(/53) جسارة الانتقاء وأكذوبة التقليد

ذكر الكاتب وفقه الله في الحلقتين السابقتين أهمية الفتيا، واستعرض أحوال المفتين من السلف الصالح، وقارن ذلك بحال الفتوى في العصور المتأخرة، وضرب الأمثلة على ذلك، ثم ذكر طرق العلم وكيفية استنباط الأحكام من النصوص، وكيف أن كثيراً من المتأخرين تركوا المنهج الصحيح في العلم والفتوى ومالوا إلى مناهج محدثة خاطئة، ثم ذكر أدلتهم على منهجهم الفاسد وفي هذه المقالة يمهد لنقض أدلتهم بذكر ثلاثة أصول جامعة فيما يتعلق بمسائل الخلاف؛ ولأن الدراسة استلزمت إسهاباً طويلاً فقد قسمت على خمس حلقات.

الجندي المسلم

الأصول الجامعة:

الأصل الأول:

إن الأصل في أمة الإسلام هو الاجتماع والاتفاق، أما الاختلاف فإنه حادث طارئ إذ الأصل عدمه.

فالأمة مطالبة باتحاد الكلمة، وتقارب الرأي، وتحري الحق، وطلب الصواب ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وفي نفس الوقت هي مطالبة بنبذ الخلاف، وأسباب الفرقة، وطرح الشقاق، والبعد عن وسائل الفتنة.

ومع أن الأمة تسعى إلى تحقيق تلك المطالب الشرعية، إلا أن الله عز وجل قدر أن تختلف أنظار العلماء، ومدارك الفقهاء؛ لتباين فهومهم، وتفاوت علومهم، فاختلافهم في المسائل الشرعية حاصل ولابد، ولله في ذلك حكمة؛ لكن وقوعه حينئذ ليس بحجة على أحد؛ لأنه خلاف الأصل، وكيف يكون الخلاف أصلاً والأمة مأمورة بسد بابه، واقتلاع آثاره؟!

قال تعالى: منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ( 31 ) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ( 32 ) {الروم: 31، 32} . وقال سبحانه: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على"شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون 103 {آل عمران: 103} وقال أيضاً: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم 46 {الأنفال: 46} وقال: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه 13 {الشورى: 13} وقال: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم 105 {آل عمران: 105} ."

والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة جداً، وهي مستفيضة ومشهورة،وكلها تقرر مبدأً واحداً وهو وجوب الاجتماع والاتفاق والائتلاف، ونبذ الشقاق والافتراق والخلاف، وهي نصوص عامة تشمل أصول الشريعة وفروعها، ولاسبيل إلى التفريق بينهما في ذلك، إذ ليس في النصوص ما يشير إليه أو يدل عليه، فالكل دين الله وشرعه، فلا يقال: إن المخالف في الفروع لايأثم... هكذا بإطلاق مهما كانت مخالفته، كلا... وألف كلا؛ فإن من جاءته النصوص الصحيحة الصريحة في مسألة فرعية ما، ثم هو يتركها لأجل قول فلان من الناس، فلا شك أنه ممن تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، زد على ذلك أن مسألة تقسيم الشريعة إلى أصول وفروع تحتاج إلى وقفة من حيث الأمور التي رتبت على هذا التقسيم، ومن حيث التمييز بين الأصول والفروع، فإن هذه المسألة على جلالة قدرها إلا أنك مهما بذلت من جهد لتقف على ضابط دقيق يكون فيصلاً في التفريق بين مايكون أصلاً ومايكون فرعاً لن تستطيع البتة، وهذا من المضايق الحرجة التي يكتنفها شيء من الغموض أكثر من غموض التفريق بين الصغائر والكبائر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"أما التفريق بين نوع تسميته مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم" (1) .

وأما من حيث الأمور التي رتبت على هذا التقسيم فلا ينبغي أبداً أن يستفاد منه الاستهانة بالفروع، أو حط منزلتها، وتقليل شأنها؛ فإن هذا محادة لدين الله الكامل الشامل، ومطارحة لطريقة السلف الصالح رحمهم الله؛ لأن هذا التقسيم اصطلاحي متأخر، لم يقصد منه تقسيم الدين نفسه، وإنما أريد منه تقسيم المسائل الفقهية، وهذا من باب الضبط للأبواب والفصول أثناء التصنيف والتأليف، فيجب حينئذ الوقوف عند فائدة الاصطلاح ومايراد منه ولا يتعداه.

ومما يؤكد ماذكرناه أن أهل السنة والجماعة قد درجوا في مصنفاتهم على تدوين كل ما يميزهم عن أهل البدع والضلالة، ولو كان هذا المميز فرعاً فقهياً؛ لأنه فارق بين الفرقتين، ويسطرونه في كتب الاعتقاد على أنه عقيدة مستقرة يجب عقدها لله رب العالمين.

وخذ مثلاً على ذلك: مسح الخفين؛ فإن أئمة السنة يذكرون ثبوت ذلك في كتب الاعتقاد كعقيدة لأهل السنة والجماعة، مع أن مسألة المسح على الخفين من مسائل الفروع؛ بل هي من الرخص الشرعية وليست من العزائم عند جمهور العلماء؛ ولكن لما كان في اثباتها وتقريرها منابذة لأهل الضلالة من الشيعة والخوارج قيدوها في كتب الاعتقاد، حتى قال أبو الحسن الكرخي من أئمة الحنفية:"إني أخشى الكفر على من لايرى المسح على الخفين" (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت