فهرس الكتاب

الصفحة 15210 من 27364

بقلم الأستاذ بسطامي محمد سعيد خير

الحاكمية من المصطلحات السياسية المعاصرة الشائعة، ويفهم الناس عموما أنها السلطة والمشروعية العليا التى تحكم أي دولة. ومن المعلوم أن الحاكمية مفهوم غربي معروف في الفكر السياسي الغربي، وهناك نظريات غربية كثيرة عن تعريفه وتحديد صاحب الحق الذي يملكه. وقد أفردت للحاكمية مساحة كبيرة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.

وقد اعتبرت الحاكمية من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم الإسلامي، وسعت كثير من حركات تطبيق الشريعة الإسلامية إلى تضمينها في دساتير الدول المسلمة. فما الحاكمية؟ وهل هي مفهوم سياسي مستحدث عند المسلمين المعاصرين أم أن لها أصولها عند سلفهم؟ ولمن الحاكمية في الدولة المسلمة؟

هذه الأسئلة هي ما سيحاول البحث التالي الإجابة عليها. ولأن مبدأ الحاكمية كما عرفه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر أثر من آثار الفكر الغربي، فسيبدأ البحث بتعريف الحاكمية في الفكر السياسي الغربي، واستقراء النظريات المتعددة التي ساهمت في بلورة معناه. ويتجه البحث بعد ذلك إلى تعريف لفظ الحاكمية في اللغة واستعمالاته في القرآن والسنة، ثم ينظر في مفاهيم المسلمين المتقدمين للسلطة العليا في الدولة المسلمة، وذلك بتحليل مفاهيم الإمامة والإمارة والخلافة وتعريفاتها عند فقهاء الإسلام. ثم يحاول البحث بعد ذلك تتبع تطور فكرة الحاكمية المعاصرة عند المسلمين، ودراسة الآراء المختلفة التي ظهرت عند مفكريهم المعاصرين عن تعريفها، منذ ظهور المصطلح عند المفكرين الأتراك في القرن التاسع عشر، إلى فكر رشيد رضا وحسن البنا المودودي وسيد قطب وغيرهم ممن أسهموا في الكتابة عنه. ثم يخلص البحث إلى تمحيص الحقيقة من بين هذه الآراء المتنوعة، وتحديد ما إذا كان مصطلح الحاكمية اصيلا أم دخيلا، وما إذا كان دقيقا جامعا مانعا أم عاما مضطربا.

الحاكمية في الغرب

التطور التاريخي

ظهرت فكرة الحاكمية المعاصرة في الغرب في نهاية القرن السادس عشر الميلادي/ التاسع الهجري، وقد تأثرت نظرياتها بالظروف الخاصة التى كانت تعيشها أوربا في تلك الحقبة من تاريخها. ومن أجل أن تتبين النظرة الغربية للحاكمية لا بد من فهم العوامل التي صاحبت نشأتها وكونت صياغتها. ومن أهم تلك العوامل ميلاد الدولة القومية العلمانية وتمليكها الحق المطلق في تشريع القانون. [1] فقد أدى إحياء المبادئ اليونانية والرومانية القديمة في أوربا، وسعيها لتقليص سلطان الكنيسة المطلق، إلى تجديد مبدأ القانون البشري _ أو ما سمي بالقانون الوضعي. وبانتصار فكرة القانون الوضعي أوحق البشر في وضع قانون لأنفسهم، اتجه البحث إلى من يملك هذا الحق، فظهرت نظريات الحاكمية من أجل تقديم إجابة على هذا السؤال الأساسي. وصاحب هذا التطور في النظرة الأوربية لمصدر القانون، تطور آخر لا يقل أهمية عنه، وهو ميلاد الدولة القومية العلمانية، التى كان لها أكبر الأثر في صبغ نظريات الحاكمية الغربية بصبغتها. ففي تلك الفترة من تاريخ أوربا ضعف سلطان البابا والامبراطور، وتضعضع النظام الإقطاعي، وتضاءلت مع ذهابه قوة الأمراء ملاك الأراضي الإقطاعيين المحليين، وازدادت مكانة الملوك في أقطارهم المختلفة. وهكذا تجمعت في أيدي الملوك سلطة مطلقة، بعد أن أصبحوا أعلى سلطة محليا، وبعد أن نالوا استقلالهم من سلطان القوى الخارجية. ومما ساعد على ازدياد سيطرة الملوك المطلقة على بلدانهم، حاجة دولهم إلى سلطة مركزية قوية تتمكن من القضاء على الحروب الأهلية والدينية التى كانت سائدة آنذاك، وتستطيع توفير الأمن والسلم في المجتمع. وفي هذه الظروف ظهرت نظرية الحاكمية وسعت لتقديم مسوغات لدعم سلطان الملوك المطلق. ومن الملاحظ أن الحاكمية في بادئ أمرها، قد وصفت بنفس خصائص الملكية المطلقة، من علو سلطتها واستقلالها وإطلاقها من كل قيد. [2]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت