أ.أحمد بن عبالرحمن الصويان
في يوليو من عام (1998م) وعلى مدى عامين اثنين احتفل مجموعة من المثقفين المصريين بمناسبة مرور مائتي عام على الحملة الفرنسية التي قادها (نابليون بونابرت) على مصر، وزعموا أنهم لا يحتفلون بالاستعمار، وإنما بالعلاقات الثقافية مع فرنسا، وبالمجمع العلمي والمطبعة التي أدخلها نابليون لأول مرة إلى مصر. ولا نستغرب أن بعض نصارى العرب مثل ألبرت حوراني يؤرخ لبداية الحداثة العربية بحملة نابليون، لكن الغرابة أن يتبنى هذه الرؤية أيضًا بعض المثقفين المصريين المنتسبين إلى الإسلام، ويعيدون اجترار الفكر الاستعماري، ويصفقون بكل انهزام لتاريخه وثقافته..!
الجدير بالتأمل أن نابليون عندما دخل إلى مصر تلبَّس بلباس المسلمين، وزعم أنه يريد تحرير حقوق المصريين من الظالمين وقال في أول بيان نشره: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه) ، ثم قال: (يا أيها المصريون! قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم؛ فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قدمتُ إليكم إلا لأخلِّص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله ـ سبحانه وتعالى ـ وأحترم نبيه والقرآن العظيم!( .
وبعد الغزو الأمريكي على العراق بدأت احتفالية أخرى عند بعض الخليجيين، تتطلع إلى مرحلة جديدة من الحداثة الحضارية! فقد كتب أحد مثقفيهم مقالة بعنوان: (نموذج أمريكي في العراق؟ لِمَ لا؟.. تفاءلوا خيرًا!) ، قال فيها: (إنني من أكثر الناس تفاؤلًا بقدوم أمريكا إلى العراق، وعندي أسباب عديدة، أولها: أن أمريكا لم تدخل بلدًا إلا وحسنت من أوضاعه؛ فهي دخلت اليابان وكوريا وألمانيا، وغيرها من البلدان، والنتيجة أن هذه الدول أصبحت من الدول المتقدمة في الاقتصاد والعلم، أمريكا دفعت من جيبها أكثر من 12 مليار دولار لدول أوروبا خلال مشروع مارشال لتنهض صناعيًا بالدول المهزومة، وفي مقدمتها ألمانيا، بالإضافة إلى عشرين مليار دولار كديون ميسرة بعيدة المدى...) ، ثم ختم مقاله بقوله: (إنني واثق أن أمريكا ستلعب في منطقتنا دور المعلم الحازم الذي يريد النجاح لتلاميذه، حتى لو تطلب ذلك درسًا قاسيًا، إن العالم العربي لن يتغير من تلقاء نفسه، لذلك أقول أهلًا بالنموذج الأمريكي الحر، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم!!( .
وكتب مثقف آخر مقالة بعنوان: (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم) ، قارن فيها بين حملة نابليون بونابرت على مصر، والحملة الأمريكية على العراق، وقال: (لقد كانت الحملة الفرنسية على مصر شيئًا مثل صدمة كهربائية قوية، أعادت الوعي إلى مجتمعات كانت غائبة عن الدنيا وما جرى فيها خلال قرون من الاستكانة والسكون، ومن يقرأ تاريخ الجبرتي عن تلك الفترة يستطيع أن يتبين أثر تلك الحملة القصيرة الزمن الطويلة التأثير على المجتمع المصري، ومن ثم المجتمعات العربية الأخرى ..) ، وبعد أن تحدث عن الصدمات القوية التي أعادت الحياة والفاعلية الذاتية على يد الاستعمار الغربي في ألمانيا واليابان والصين، أراد أن يقنعنا بأهمية الاستعمار الأمريكي قائلًا: (وهذا ما حدث لمصر والشرق العربي حين غزاهما نابليون، فأعاد العرب إلى الوعي بالعصر الذي يعيشون فيه، ولكنهم نكصوا على أعقابهم بعد ذلك، فكان لا بد من صدمات وصدمات؛ إذ لعل وعسى؛ فمكر التاريخ لا يعرف الاستسلام. وإذا كانت الحملة الفرنسية على مصر ومشرق العرب، أو الصدمة الأولى قبل قرنين من الزمان تقريبًا، قد قدمت العرب للحداثة، وقدمت الحداثة للعرب، فإن الحملة الأمريكية الحالية سوف تقدم العرب للعولمة، وتقدم العولمة للعرب على أوسع نطاق!!( .
وفي مقال ثالث كتب أحدهم: (لقد أثبتت الفضائيات العربية والإعلام العربي بشكل عام، أننا أمة تقع خارج دائرة الفعل، فالأمة التي يقوم خطابها الثقافي والإعلامي على التباكي وعلى مهاجمة الآخر والتحريض على كرهه، هي أمة مكبلة بقيود العجز والسلبية وعدم القدرة على المبادرة، وهذا النوع من الأمم يحتاج بالفعل إلي يد خارجية قوية تفرض عليه الإصلاحات اللازمة لتغيير واقعه نحو الأفضل. إنَّ النظام العراقي لم يكن ليسقط ولو بعد مائة عام، لولا الحملة العسكرية الأمريكية. والإصلاحات الديمقراطية لن تتحقق في العالم العربي بإرادة ذاتية؛ بل بالمساعي الأمريكية، وإذا كان الأمريكيون يعملون على تحقيق هذه الإصلاحات مدفوعين بقناعتهم بضرورة التغيير بعد أحداث سبتمبر، فإن المنطق يحتم علينا أن نرحب بمساعيهم طالما أنها تلتقي بمصالحنا!!(.