فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 27364

وفي حوار أجرته إحدى الإذاعات العربية مع أحد المعارضين العراقيين الذين دخلوا بغداد تحت مظلة القبعة الأمريكية، استشهد على حرص الولايات المتحدة الأمريكية على نهضة العراق وبنائه بأن ذكر أن من أوائل اللجان التي شكلتها الإدارة الأمريكية لإعادة البناء هي اللجنة المكلفة بإعادة كتابة المناهج التعليمية، ممَّا يؤكد حرصها على بناء عراق علمي متحضر، ثم يتفاءل كثيرًا بإعادة بناء النموذج الأمريكي في اليابان وألمانيا في عراق ما بعد الحرب..!!

هذه المواقف جزء من ضجيج هادر نضح به بعض إعلامنا الخليجي، وهي مواقف تمثل صورة صارخة لمقدار التبعية الفكرية والانهزامية الثقافية التي يبشر بها بعض المثقفين والصحفيين العرب؛ فما عادوا يخجلون من صعود الدبابة الأمريكية والانضواء تحت رايتها. وتعجب أشد العجب من جرأة هؤلاء المفتونين على تزييف الوعي؛ فالعالم كله يرى إفلاس القيم الأمريكية وسقوطها المدوي الذي انكشف أمام الجميع، بينما هم لا زالوا يسبحون بحمدها ويقدسون..!!

إنَّ الخطاب الفكري الذي يصوغ أطروحات هؤلاء القوم يستمد جذوره من الانقلاب على الذات، والتنكر لعقيدة الأمة وجذورها التاريخية، والسقوط في متاهات التقليد، واجترار الفكر الغربي بانهزامية مفرطة، ثم يتبع ذلك سعي حثيث لمسخ هوية المجتمع، وتغيير بنيته الفكرية. ولئن كانت تلك الصورة الساذجة للشاب الذي يلبس (الجينز) ويعلق الأساور والأقراط على يديه وأذنيه آية من آيات الاستلاب الحضاري، ومثارًا للسخرية والاستهزاء؛ فإنَّ الانسلاخ الفكري والعقدي الذي تلبس به بعض المثقفين أشد خطرًا وأكثر إثارة للسخرية، لأنَّهم يحملون مشروعًا تغييريًا يتقصد محاربة الأمة وتغييب ثقافتها!

وهذه الظاهرة ليست من الظواهر الحادثة؛ فمنذ أن رفع ابن أبي سلول راية النفاق في العصر الأول، وأتباعه المقتدون به يظهرون بصور وأشكال متعددة، تختلف أسماؤهم وألوانهم، وتتشابه مخازيهم في الكيد لهذه الأمة وشرخ عقيدتها. قال الله ـ تعالى ـ: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } [محمد: 30] .

إنَّ المرحلة القادمة ستشهد حربًا ضروسًا على القيم والثوابت الشرعية، وسيكشف كثير ممن يسمون أنفسهم بالليبراليين عن حقيقة ثقافتهم وجذورهم! وأحسب أن هذا التيار سيكون الأداة الطيعة الذي ستستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية في اختراق الأمة وتسويق مشاريعها الفكرية والاجتماعية، وبسط هيمنتها على مراكز الرأي والتأثير. وباسم الإصلاح والتطوير ونحوها من الكلمات البراقة سيرفعون لواء الإفساد والتغريب، {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11 - 12] .

ولهذا فإن استبانة سبيل هؤلاء القوم، ورصد توجهاتهم، وتتبع مكائدهم ودسائسهم، ليس مجرد ترف ثقافي وإعلامي؛ بل هو من الأولويات المهمة التي تحفظ الأمة من مكرهم وخداعهم. قال الله ـ تعالى ـ: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } [الأنعام: 55] .

المصدر: http://www.almoslim.net

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت