وهكذا شهد النصف الثاني من القرن العشرين استقلال الدول العربية والإسلامية , وكان استقلالا شكليا مبرمجا لم يكن في حقيقته أكثر من عملية تحول في أسلوب المحتلين المستعمرين إلى ما عرف باسم الإستعمار الحديث . حيث فتت الإستعمار العالم العربي إلى نحو 22 دولة , وفتت العالم الإسلامي إلى ما بلغ بمجموعه أكثر من 55 دولة , وقد تسلط على حكم تلك البلاد بترتيب دقيق ومباشر من الإستعمار , نماذج متعددة من أنظمة الحكم , فكان منها الأسر الو راثية المالكة , ولاسيما في مناطق الثروات الطبيعية الكبيرة الهامة ولاسيما مناطق النفط . وكان منها الأنظمة الديكتاتورية العسكرية القمعية , ولاسيما في مناطق الحركة والنشاط والوعي والثقافة , كما في بلاد العراق والشام ومصر . وكان منها أنظمة ديكتاتورية تسترت بالنظام الليبرالي الغربي ..وغير ذلك .
ولكن كل تلك الأنظمة ساست شعوبها بالقمع والظلم والقهر , ومارست عليهم سياسات الإفقار والتجهيل, والسير بهم نحو دروب الفسوق ونشر الفواحش , والتيه والضلال ..
كما حكمت كل تلك الأنظمة بلا استثناء - بالقوانين الوضعية المستوردة من بلاد الغرب المستعمر كلا أو جزءا ..
وخلال تلك الأعوام انحط العالم الإسلامي إلى أسفل قائمة الدول المتخلفة التي تعاني من كم هائل ومتنوع من الأزمات ..وبسبب ذلك , وبسبب ما أوجد الغرب في تلك البلاد من التيارات الفكرية والسياسية المتعددة المشارب والأهواء بين فلسفات الشرق الشيوعي الاشتراكي الملحد .., و هرطقات الغرب الإباحي الليبرالي المتهتك ..قام صراع مرير على السلطة في كثير من تلك البلاد , وتمكنت كتل سياسية مناوئة للأنظمة الحاكمة من الوصول للحكم , وقدمت نماذج مغايرة عنها لم تكن أقل منها كفرا وظلما وتيها وانحلالا , واستمر مسلسل الضياع والأزمات .
كما دخلت كثير من الأنظمة المصطنعة حروبا إقليمية فيما بينها , ولم يحل الدين الواحد , ولا حتى روابط القومية بين الحكام وبين قيام تلك الحروب . فحرب بين إيران والعراق , وبين العراق والكويت , وبين اليمن والسعودية , وبين السعودية ومصر . وحروب بين ليبيا وتشاد وبين الجزائر والمغرب , وبين سوريا والأردن وبين سوريا وقوى متعددة في لبنان , ونزاعات حدودية بين إمارات الخليج , بين السعودية وقطر ,وبين قطر والبحرين , وقتال ضار بين النظام الأردني والفلسطينيين , وبين النظام السوري والفلسطينيين , وبين القوى اللبنانية المختلفة والفلسطينيين , وتهديدات كادت تشعل الحرب بين سوريا وتركيا, وبين سوريا والعراق , وبين السودان واريتريا , وبينها وبين تشاد ...إلى آخر تلك الصراعات والحروب التي أهلكت مئات آلاف الأرواح وأفقرت البلاد والعباد ولم يكن منها صراع واحد يمكن اعتباره على حق وباطل , أو أن فيه رائحة من دواعي القتال الشرعي .. وإنما قتال على نزوات الملوك والحكام , لتكون العزة لفلان أو لعلان , من الجرابيع الحاكمة في بلاد المسلمين . وفي ظل هذه الأوضاع طمع الأعداء فينا , فاحتل اليهود ثلثي فلسطين سنة 1948 , بخيانة قيادات الجيوش العربية السبعة . ثم احتل سنة 1967 ما تبقى من فلسطين و القدس الشرقية والمسجد الأقصى المبارك , بالإضافة إلى أراض من سوريا ومصر ولبنان والأردن تزيد مساحتها على 5 أضعاف مساحة فلسطين , كل ذلك بسبب خيانة الأنظمة في كل من سوريا البعث و النصيرية , ومصر عبد الناصر والقومية العربية , ونظام الماسوني العريق الملك حسين في الأردن . وفي سنة 1973 حول النظام النصيري في سوريا , ونظام الخائن أنور السادات النصر العربي اليتيم الوحيد ضد اليهود إلى هزيمة عسكرية ثم سياسية, في حرب رمضان الشهيرة بعد عبور القوات المصرية التاريخي لقناة السويس تحت صيحات الله أكبر . والزحف الرائع للقوات السورية التي وصلت بحيرة طبريا وأنزلت قواتها في مرتفعات الجولان ..
ومنذ الاتفاقات الخيانية للرئيس السادات سنة 1980 ثم اتفاقيات فصل القوات بين سوريا الأسد النصيري وإسرائيل , ثم ما تلا ذلا من الخيانات التي تولى كبرها ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية ثم ما سمي بالسلطة الوطنية الفلسطينية , خسر العرب كل شيء بما فيها أرضهم ومقدساتهم بل وكرامتهم , أما م إسرائيل المدعومة من أمريكا وأوربا .. وأما في العالم الإسلامي فقد قضمت قوى الكفر المختلفة كثيرا من بقاعه واحتلتها ..فاحتلت الهند كشمير , واحتفظت روسيا القفقاس والجمهوريات وسط آسيا , وفقد المسلمون استقلالهم وأكثر بلادهم في دول أوربا الشرقية , وكذلك في العديد من الدول الأفريقية وجنوب شرق آسيا ..