فهرس الكتاب

الصفحة 18399 من 27364

قبل عام تقريبا تلقيت رسالة من أخ عزيز - أعزّه الله بطاعته - أحسن الظن بي ، فاقترح أن أكتب في معنى قوله تعالى: ( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ )

فلم أنشط وقتها لذلك

وقبل أيام قرع مسامعي - ونحن في صلاة العشاء - قوله سبحانه وتعالى: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ )

وكأني أسمعها لأول مرة ، ولا عجب فهذا الكتاب العزيز لا يَخلق من كثرة الترداد

غير أني لما سمعت هذه الآية تداعت نظائرها وتواردت في ذهني .

فأخذت أتأمل قول ربي جل جلاله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ )

فقلت: سبحان الله !

هذا وعد من لا يُخلف الميعاد

وهذا قول من لا أصدق من قوله ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ) ، ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا )

أمَا والله ما نحن في شك منه ، ولكننا غفلنا عنه .

أمَا والله

( إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) .

أمَا والله إنه لصِدق .

أمَا والله ليكونن ما وعد به ربي ، وإن غرّ أناس صولة الكفر ، وإن بَهَرَت أقوام حضارته .

وإنّ انتفاش الباطل كانتفاخ الهِرّ يحكي صولة الأسد !

أو كَمَنْ رأى وَرَماً فظنّه سِمنا !

أو كانتفاخ جِلد البوِّ يُحشى ثُماما ويُخيّل به للناقة فتحسبه ولدها !

وقول الله أصدق وأبلغ ( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ )

إن دولة الكفر ساعة ، وإن دولة الحق إلى قيام الساعة

وإن جولة الكفر لم تظهر إلا في ضعف دولة الحق [ دولة الإسلام ]

ولم تضعف دولة الحق إلا ببعدها عن دينها

ويوم أن تمسّكت دولة الإسلام بدينها دانت لها أمم الأرض ، حتى قال عظيم الروم وقائدها عن نبي الرحمة:

فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه . رواه البخاري ومسلم .

هكذا نطق هرقل ، بل هكذا أنطقه الله بكلمة الحق !

لقد أدرك هرقل أن دولة الإسلام إذا قامت لا يقف في وجهها أحد

وقال مقولته ودولة الإسلام في بداية قيامها ، لم تتعدّ جزيرة العرب ، بل لم تفئ ظلالها على كامل جزيرة العرب .

كيف لو قال اليوم قائلنا: إن أعظم دول الكفر سوف تزول ، وأن رئيسها سوف يولّي الأدبار هاربا من جحافل الإسلام ؟!

لو قيل ذلك: لقيل كلام في الأحلام !

ولكن هذا الأمر وقع عندما صدق أصحاب صلى الله عليه وسلم في الإيمان ، فولّى هرقل هارباً ، ووقف على مشارف سوريا يودّعها ، وينظر إليها النظرة الأخيرة !

أمَا والله لو عُدنا إلى ديننا وتمسّكنا به لرأينا بأعيننا صدق موعود الله بالنصر والغلَبة والتّمكين لأوليائه

ولرأينا صدق موعود الله بالهزيمة والذلّ والخزي والهوان لأعدائه

ألم يقل رب العزة سبحانه:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ) ؟

لكن متى يتحقق هذا الموعود ؟

عندما يتحقق التوحيد ، ويرسخ الإيمان ، وشرط ذلك: ( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا )

فلا يتحقق المشروط إلا بتحقق الشرط

ولا ينفذ الموعود إلا بتحقيق شرطه

( َلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا )

قال ابن القيم رحمه الله:

فالآية على عمومها وظاهرها ، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضادّ الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة ، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم . اهـ .

كيف نريد النصر والعِزّة والتمكين وكثير من الجيوش حالها لا يسرّ !

قال والد علي بن المديني: خرجنا مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن فعسكرنا بِبَاخَمْرا ، فطفنا ليلة فسمع ابراهيم أصوات طنابير وغناء ، فقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه هذا !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت