فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 27364

صورة الإسلام في الخطاب الغربي (10)

دعوة نيكسون لمواجهة الصحوة

د.محمد عمارة

أما خطاب المشروع السياسي والحضاري الغربي المعاصر إزاء الإسلام، فلقد بدأته أمريكا عقب الحرب العالمية الثانية عندما ورثت الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة: الإنجليزية والفرنسية بمحاولة"استغلال"الإسلام في حربها الباردة ضد الشيوعية.. وبعبارات الشهيد سيد قطب (1324 1386 ه- 1906 1966م) :"إن الإسلام الذي يريده الأمريكان، وحلفاؤهم في الشرق، ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان، ولكنه فقط الإسلام الذي يقاوم الشيوعية، إنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم، ولا يطيقون من الإسلام أن يحكم، لأن الإسلام حين يحكم سينشئ الشعوب نشأة أخرى، وسيعلم الشعوب أن إعداد القوة فريضة، وأن طرد المستعمر فريضة، وأن الشيوعية كالاستعمار وباء، فكلاهما عدو، وكلاهما اعتداء.. الأمريكان وحلفاؤهم إذن يريدون للشرق إسلامًا أمريكانيًا يجوز أن يستفتى في منع الحمل، ويجوز أن يستفتى في دخول المرأة البرلمان، ويجوز أن يستفتى في نواقض الوضوء، ولكنه لا يستفتى أبدًا في أوضاعنا الاجتماعية أو الاقتصادية أو نظامنا المالي، ولا يُستفتى أبدًا في أوضاعنا السياسية والقومية، وفيما يربطنا بالاستعمار من صلات، فالحكم بالإسلام، والتشريع بالإسلام، والانتصار للإسلام لايجوز أن يمسها قلم، ولا حديث، ولا استفتاء.." (1) في الإسلام الأمريكاني!

هذا هو نوع"الإسلام الأمريكاني"الذي أرادت أمريكا"استغلاله"في حربها الباردة ضد الشيوعية كما استغلت النصرانية أيضًا. وأنشأت، لذلك،"مجلس الكنائس العالمي"في ذات التاريخ..

فلما تعاظم مد اليقظة الإسلامية في سبعينيات القرن العشرين عقب سقوط نماذج التحديث على النمط الغربي.. اتخذت أمريكا ومن ورائها الغرب من الإسلام المجاهد.. إسلام اليقظة والصحوة عدوًا، حتى قبل"قارعة سبتمبر عام 2001م"وحتى عندما كانت كل الحركات الإسلامية التي يسمونها"أصولية ومتطرفة"تقف مع أمريكا في خندق واحد إبان الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي والشيوعية في ثمانينيات القرن العشرين!.

وفي ذلك التاريخ، كتب الرئيس الأمريكي"ريتشارد نيكسون"وهو مفكر استراتيجي عن هذه اليقظة الإسلامية، التي يقودها من أسماهم"الأصوليون الإسلاميون"الذين هم كما يقول"مصممون على استرجاع الحضارة الإسلامية السابقة عن طريق بعث الماضي، ويهدفون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وينادون بأن الإسلام دين ودولة، وعلى الرغم من أنهم ينظرون إلى الماضي فإنهم يتخذون منه هداية للمستقبل، فهم ليسوا محافظين، ولكنهم ثوار"!!

ودعا"نيكسون"إلى اتحاد الغرب الأمريكي والأوروبي.. والروسي لمواجهة هذا البعث الإسلامي، وإلى:"تحديد الخيار الذي تختاره الشعوب المسلمة"!! ليكون"نموذج تركيا العلمانية المنحازة نحو الغرب والساعية إلى ربط المسلمين بالغرب سياسيًا واقتصاديًا.. وذلك حفاظًا على مصالح الغرب في الشرق.. لأن أكثر ما يهمنا في الشرق الأوسط هو النفط وإسرائيل.. وإن التزامنا نحو إسرائيل عميق جدًا، فنحن لسنا مجرد حلفاء، ولكننا مرتبطون ببعضنا بأكثر مما يعنيه الورق، نحن مرتبطون معهم ارتباطًا أخلاقيًا.. ولن يستطيع أي رئيس أمريكي أو كونجرس أن يسمح بتدمير إسرائيل"!

ولقد أفصح"نيكسون"عن الموقف الأمريكي والغربي الذي اتخذ الإسلام والمسلمين عدوًا، عندما قال:"إن الكثيرين من الأمريكيين قد أصبحوا ينظرون إلى كل المسلمين كأعداء.. ويتصور كثير من الأمريكيين أن المسلمين هم شعوب غير متحضرة، ودمويون، وغير منطقيين.. وليس هناك صورة أسوأ من هذه الصورة حتى بالنسبة للصين الشيوعية.. في ذهن وضمير المواطن الأمريكي عن العالم الإسلامي.. ويحذر بعض المراقبين من أن الإسلام والغرب متضامنان.. وأن الإسلام سوف يصبح قوة جيبوليتيكية متطرفة.. وأنه مع التزايد السكاني والإمكانات المادية المتاحة، سوف يؤلف المسلمون أخطارًا كبيرة.. وأنهم يوحدون صفوفهم للقيام بثورة ضد الغرب.. وسوف يضطر الغرب إلى أن يتحد مع موسكو ليواجه الخطر العدواني للعالم الإسلامي" (2) !!

تلك هي صورة الإسلام في الخطاب الاستراتيجي الأمريكي والغربي في ثمانينيات القرن العشرين.. إبان"شهر العسل"بين أمريكا والغرب من ناحية، وكل الحركات الإسلامية. والدول الإسلامية من ناحية أخرى إبان الجهاد المشترك ضد الشيوعية في أفغانستان.. وقبل"قارعة سبتمبر 2001"بنحو خمسة عشر عامًا!

الهوامش

(1) من كتاب (أمريكا من الداخل) والنقل عن: د.جابر قميحة"سيد قطب والإسلام الأمريكاني"صحيفة"آفاق عربية"القاهرة في 27-12-2001م والدكتور جابر ينقل عن مجلة"الرسالة"سنة 1951م.

(2) ريتشارد نيكسون: (الفرصة السانحة) ص28، 140، 141، 152، 153، 135، 138، 139، ترجمة: أحمد صدقي مراد. طبعة القاهرة سنة 1992م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت