فهرس الكتاب

الصفحة 17611 من 27364

محمد أبو رمان / عمان 17/10/1426

يواجه النظام الرسمي العربي - بشقيه الإقليمي والقطري- أسئلة مصيرية حول مدى قدرة بنيته وسماته العامة على الصمود مستقبلا أمام عوامل التغيير. أحد أبرز هذه الأسئلة هو سؤال الشرعية، ولا يقصد بالطبع الشرعية السياسية - وهي محل نظر أساسا- بل شرعية بقاء النظام العربي واستمراره مع سقوط قاعدة التحالفات التي رفعته خلال فترة الحرب الباردة وصاغت سماته العامة، وذبول مبرراته وشعاراته السياسية والأيدلوجية التي خبّأ وراءها أمراضه من فساد وطغيان ومصادرة الديمقراطية وحقوق الإنسان..الخ.

إرهاصات سقوط النظام العربي بدأت منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشيوعية وزوال أحد قطبي النظام العالمي الذي كان يدعم ويساند استراتيجيا ما سمي بـ"الدول العربية التقدمية"حينذاك، وقد تمكنت كثير من الدول العربية من سلوك مسار المراوغة والتحايل على استحقاق المتغيرات الجديدة. وعلى الرغم من حرب العراق 1991 إلا أن الإدارة الأميركية لم تكن قد وصلت بعد إلى انتهاء صلاحية النظام العربي وضرورة التغيير، وبقيت الولايات المتحدة مترددة في عقد التسعينات إلى أن وقعت 11 سبتمبر والتي أكدت للخبراء والسياسيين الأميركيين أهمية تغيير الحالة العربية بأسرها بما في ذلك الدول الحليفة أو التي تسمى بـ"المحافظة".

يؤكد النتيجة السابقة عدد من الخبراء والسياسيين ووثائق أميركية. فمارتن إنديك - على سبيل المثال- يرى أنّ الخطأ الرئيس للولايات المتحدة - في مرحلة ما قبل 11 سبتمبر- أنها دعمت نظما عربية"أتوقراطية"على حساب قيم الديمقراطية والمثل الأميركية ظنا منها أن ذلك كفيل بحفظ مصالحها في المنطقة، لتتبين من خلال 11 سبتمبر أن هذا الدعم كان أحد الأسباب في تصدير أزمة تلك النظم إلى العالم من خلال منظمات القاعدة والجماعات الجهادية المسلحة.

وفي الوقت الذي حصل فيه إجماع داخل مراكز السياسة والفكر الأميركي بضرورة التغيير البنيوي في العالم العربي. إلا أن هناك اختلافا كبيرا حول دور الولايات المتحدة في التغيير والطريق المؤدي إليه. إذ يقول شبلي تلحمي أن الديمقراطية أمر جيد بحد ذاته لكن الطريق إلى الديمقراطية يمر بمرحلة عدم استقرار. وبينما يرى تلحمي سلوك طريق الإصلاح المتدرج بعيد المدى، فهناك من لا يمانعون بحدوث انهيار أو سقوط قريب للنظام العربي الحالي حتى لو كانت النتيجة هي الفوضى فإنها ستفرز مخرجات إيجابية في المحصلة.

لقد استمد النظام العربي جزءا كبيرا من شرعيته"الواقعية"من خلال تحالفاته الخارجية والداخلية في ضوء غياب شرعية الديمقراطية وصناديق الاقتراع. لكن تحالفاته الخارجية لا تسقط وحدها اليوم لتهز أسس شرعيته، فهناك تهافت في أسس شرعيته الداخلية من عدة نواح رئيسة؛ الأولى صعود ثورة الاتصال"الانفوميديا"التي حددت قدرات النظام العربي في السيطرة على الإعلام والمعلومات والتحكم في الرأي العام، فبرزت أدوات ونوافذ أهم وأخطر من الوسائل التقليدية تمكِّن النشطاء والمعارضين السياسيين من التعبير عن رؤاهم وأفكارهم ومواجهة السلطات الحاكمة. هذا التطور آذن بانهيار مفهوم السيادة التقليدية (الذي تكرس مع ظهور مفهوم الدولة القومية في معاهدة وستفاليا 1648) وقد ناقشه ولتر ب. رستون في كتابه المعروف"أفول السيادة".

كما ألقت"ثورة الأنفوميديا"بظلالها على المزاج الشعبي العربي وقدرته على التحمل وقبول الدعاية الرسمية للنظام العربي التي لم تعد تحظى بأي مصداقية حتى لدى جيل المدارس الصغير. فالكل أصبح يتلقى الرسائل الإعلامية من مختلف أنحاء العالم، ووفرت شبكة الانترنت ومنتدياتها ومعلوماتها مجالا فسيحا لحركة وتفكير الأفراد والجماعات خاصة الكتلة المتحركة والفاعلة وهي كتلة الشباب الغالبة على تكوين هذه المجتمعات. وقد ترافق ذلك كله مع نمو مؤسسات المجتمع المدني وشركات القطاع الخاص التي بدأت تنجح في الاستيلاء على الحيز العام في المجتمعات العربية شيئا فشيئا.

ولم يقتصر الأمر على الانهيارات السياسية فقد حدثت انهيارات فكرية وأيدلوجية أخطر؛ فشعارات القومية .. أو ادعاءات التنمية الوطنية والعدالة الاجتماعية لم تعد ذات قيمة أمام المؤشرات الواقعية ، وتدهور الأحوال الاقتصادية ، وفشل المشاريع التنموية ..

ويكفي أن تصدر"شهادة الإدانة"للحالة السياسية العربية من خلال تقرير التنمية الإنسانية العربي الأخير حول أوضاع الحرية وحقوق الإنسان في العالم العربي، وهو بمثابة دعوة إلى التغيير والإصلاح السياسي والانعتاق من الحالة السياسية الراهنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت