إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
أيها المسلمون:
اتقوا اللَّه حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن خير الحديث كتاب اللَّه وخير الهدى هديمحمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ومن يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعص اللَّه ورسوله فقد غوى .
معاشر المؤمنين:
سبق الحديث عن العلمانيين وتوجهاتهم وخطورة الدور الذي يمارسونه، وبعض وسائلهم وطرائقهم، والحديث اليوم عن بعض آثار هذا التوجه وثماره التي سرت في الأمة، وتغلغلت في بعض المفاهيم والأعمال، والأطروحات والبرامج على عدة مستويات.
أيها المسلمون:
إن من أعظم الدوافع والبواعث لكل داعية وعالم وناصح، بل وكل مسلم يشعر بمسؤوليته تجاه دينه وأمته من أعظم دوافعه لواجب الكشف والبيان: خطورة ذلك الفكر وشدة أثره في تضليل الأمة، والتوطئة لملل الكفر من اليهودية والنصرانية وغيرها في بلاد المسلمين، والناظر في تأريخ المسلمين يلحظ ويدرك بكل وضوح أن العاديات على بلاد المسلمين من غزو التتر وسقوط الأندلس وغيرها، ما كانت لتتمكن وتستولي على بلاد المسلمين، وتقتل الرجال وتسبي النساء والذرية، وتقود الولاة والأمراء أذلة صاغرين، ما كان ذلك بمجرد قوتهم وتفوقهم، وإنما كان ذلك بسبب الخيانة الداخلية، ممن يزاولون أدوار المنافقين، كالحركات الباطنية من الرافضة والقرامطة والإسماعيلية، وفي العصر الحاضر على يد العلمانيين وإخوانهم من الأحزاب الاشتراكية والبعثية والقومية، وما كان سقوط الخلافة العثمانية ووقوع كثير من دول الإسلام في قبضة المستعمرين وإنابتهم، أولئك بعد الخروج والاستقلال إلاَّ إحدى ثمار تلك التوجهات والحركات الغربية على المسلمين، وعلى أصل وحدتهم وتماسكهم، وكم نخشى من أمثال أولئك على بلادنا وبلاد المسلمين.
أرى خلل الرماد وميض نار وأخشى أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب مبدؤها كلام
أيها المسلمون:
إن لهذا الفكر وهذا التوجه ثماراً سيئة وخراجاً نكداً منذ ظهورهم في بلاد المسلمين، وتمكنهم في مواقع التأثير ومنابر الإعلام منها:
أولاً: تكريس التبعية للغرب، وجعله الأنموذج الأفضل الذي يجب أن يحتذى في كل شيء، حتى في الأوضاع السلوكية والأنماط الاجتماعية، وأن الرجل الغربي هو المتفوق تمدناً ورقياً وحضارة، وهو الجدير بالإقتداء والتأسي، والذي يدل على وجود هذا الأثر في واقع الناس اليوم، ذلك الفارق الذي يجده الفرد المسلم في نفسه تلقائياً بين الرجل الأوربي النصراني وبين مسلم، فقير آسيوي أو أفريقي، فالأول يجد له في نفسه التقدير والاحترام، والثاني لا يجد سوى الازدراء والتنقص؟ .
فمن الذي ولَّد هذا الشعور وكرَّسه في مفاهيم العامة والخاصة ؟ وهل كان هو المألوف لدى المسلمين في سالف العصور ؟، أم أنهم كانوا يعتبرون الكافر أقل منزلة وأحط درجة من المؤمن باللَّه واليوم الآخر، منهجهم في ذلك قوله تعالى: (( وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) ) [البقرة: 221] .
ثانياً: من الآثار ربط أمور الناس بالدنيا والمادة، وإغراقهم فيها إلى حد العبودية لها والإرتكاس فيها، والحب والبغض فيها ولها، (( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) ) [الروم: 7] .
ومثل هذا الأمر لا يعوز أحد الاستدلال عليه والتمثيل له، فنظرة إلى الأوضاع العالمية بل وأوضاع عامة الشعوب يدرك طغيان المادة على التعامل، وجعلها أساساً للموازين ومعياراً للقيم والمفاهيم.
ثالثاً: إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة وبين أدعياء العلم والثقافة من أهل التحريف والتبديل، وصهر الجميع في إطار واحد.
رابعاً: تهوين الخطر العالمي المتمثل في كيد اليهود والنصارى، والصهيونية والماسونية العالمية، واتهام من يبين خطرهم ويحذر من كيدهم وخططهم بأنه مصاب بعقدة المؤامرة، أما هم فلا يعتقدون مكايد عدائية متجذرة ومتأصلة، وإنما الأمر مصالح ومغالبات، ومطامع توسعية سياسية وإستراتيجية، نعم إن تفسير كل شيء في الوجود أن وراءه العدو وخلفه مؤامرة، وتحميل الأخطاء والتقصير على الغير، وتدبيره وتخطيطه هو نوع من المبالغة غير مقبول، وفيه تسويغ الأخطاء والتنصل من مسؤوليتها، لكن أصل القضية وهي عداوة الكافرين للمؤمنين وعملهم المستمر في الكيد والتضليل، فهذه سنن ربانية وأخبار قرآنية، نبأنا اللَّه من أخبارها فوصف عداوتهم بالبيان والظهور، (( إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ) ) [النساء: 101] .
وبين أنهم يمكرون مكراً، فقال تعالى: (( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ) [الأنفال: 30] .