فهرس الكتاب

الصفحة 13158 من 27364

مقال أكثر من رائع يضع النقاط على الحروف بجريدة الجزيرة السعودية

بعنوان (( الفتوى الليبرالية.. وعسر الفهم! ) )للكاتب: محمد بن عيسى الكنعان

المقال كما ورد في الصحيفة

شهدت الأسابيع الفائتة جدلاً فكرياً في بعض المواقع الإلكترونية على خلفية إجابة دينية تفضل بها أحد المشايخ الأجلاء من هيئة كبار العلماء حول (حكم الدعوة للفكر الليبرالي في البلاد، الإسلامية) ،

رداً على سؤال أحد طلبة العلم الشرعي لديه، فانتقل ذلك الجدل (العقيم) إلى نقاش مفتوح في فضاء إحدى القنوات العربية التي تهتم بالشأن السعودي، تلك الإجابة اعتبرت من قبل عدد من الكتاب والمثقفين الليبراليين بمثابة (فتوى) شرعية (تكفيرية) بحقهم، محذرين في الوقت نفسه من تداعياتها على المستوى الاجتماعي المحلي، خاصة في ظل وجود أفراد وجهات تتلقف الفتاوى كأمر إلهي لها بالتنفيذ والمبادرة، الأمر الذي دفع بالشيخ صالح بن فوزان الفوزان (صاحب الإجابة) إلى إصدار بيان توضيحي في بعض الصحف المحلية يؤكد فيه أن جوابه كان محدداً بالسؤال، مستنكراً تصنيف الجواب من قبل البعض على منهج التكفير وفعل الخوارج، حيث أنزلوه على أناس ليسوا مقصودين، بينما مقصد الجواب على ما جاء في حيثيات السؤال فقط؛ لأن ما ذكر فيه - أي السؤال - هو من نواقض الإسلام التي يتفق عليهما علماء الأمة، كما تبرأ الشيخ من تكفير الأبرياء أو التكفير على غير الضوابط الشرعية المعروفة.

هنا لن أجتر وقائع تلك (الفتوى الليبرالية) كما يسميها البعض، أو أضع نفسي محامياً للشيخ الفوزان، الذي يملك الأهلية الشرعية والقدرة اللغوية والنفس الطويل في الردود الكافية والكتابات الوافية، إنما سأعمد إلى عرض المسألة من (الناحية الفكرية) ، وتحديداً إلى (عسر الفهم) الذي جعل المفكر الأكاديمي يتساوى مع الإنسان البسيط في استنتاجه لأبعاد إجابة الشيخ أو (الفتوى) إن صح التعبير، لسببين رئيسين: الأول يتعلق بنص (الفتوى) الجلي والواضح بعيداً عن كل غموض أو وهم ينزح إلى التأويل، والآخر يتعلق باضطراب الموقف حيال (الليبرالية) التي لم ينجح دعاتها حتى الآن في تعريف (ماهيتها) وتحديد (مرجعيتها) ، فضلاً عن تسويقها على أرض الواقع بتجارب حية ونماذج حضارية، وما ردود الأفعال حيال (الفتوى الليبرالية) إلا دليل حي على ذلك الاضطراب الفكري.

عن السبب الأول يمكن القول إن علم الشيخ صالح الفوزان ووعيه في أبعاد السؤال المطروح جعله (يحتاط) في فتواه أو إجابته إحاطة العالم من جهل المتعالم، خاصة أنها تتعلق بمسألة جدلية وحديثة لا زالت تفتقر للوفاق الفكري الجماعي بين دعاتها، ناهيك عن مستوى المجتمع ككل، لذا فالمتمعن في تلك الإجابة يدرك للوهلة الأولى أنها (أبعد) ما تكون عن (تكفير) الليبرالي السعودي، الذي يتفق مع الشيخ فيما ذكره من نواقض الإسلام وموجبات الكفر، وكي تتضح المسألة أجد من المنطق استعراض السؤال المطروح وإجابة الشيخ معاً والنقاش حولهما.

كان السؤال: (عن الدعوة إلى الفكر الليبرالي في البلاد الإسلامية، وكونه يدعو إلى حرية لا ضابط لها إلا القانون الوضعي، ويساوي بين المسلم وغيره بدعوى التعددية، ويجعل لكل فرد حريته الشخصية، التي لا تخضع لقيود الشريعة، ويحاد بعض الأحكام الشرعية التي تناقضه، كالأحكام المتعلقة بالمرأة، أو العلاقة مع غير المسلمين، أو بإنكار المنكر، أو أحكام الجهاد، إلى آخر الأحكام التي فيها مناقضة هذه الليبرالية للإسلام، وهل يجوز للمسلم أن يقول: أنا مسلم ليبرالي؟) . إذاً السائل حدد مفهوم (الفكر الليبرالي) حسب رؤيته بجملة مسائل وأحكام (تناقض الإسلام) بغض النظر عن اتفاقنا معه أو اختلافنا، ومن ثم طرح سؤاله: هل يجوز للمسلم أن يقول: أنا مسلم ليبرالي؟

في الإطار نفسه جاءت إجابة الشيخ التي اعتبرها البعض (فتوى تكفيرية) كالتالي: (إن المسلم هو المستسلم لله بالتوحيد، والمنقاد له بالطاعة، البريء من الشرك وأهله، فالذي يريد الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي هذا متمرد على شرع الله يريد حكم الجاهلية، وحكم الطاغوت فلا يكون مسلماً. والذي ينكر ما علم من الدين بالضرورة من الفرق بين المسلم والكافر، ويريد الحرية التي لا تخضع لقيود الشريعة، وينكر الأحكام الشرعية ومنها الأحكام الخاصة بالمرأة والنهي عن المنكر ومشروعية الجهاد في سبيل الله، هذا قد ارتكب عدة نواقض من نواقض الإسلام التي ذكرها أهل العلم، والذي يقول(إنه مسلم ليبرالي) متناقض إذا أريد بالليبرالية ما ذكر، فعليه أن يتوب إلى الله ليكون مسلماً حقاً).

فأين وجه الاعتراض على كلام الشيخ واعتباره تكفيراً، إذا كان الشيخ قد (اشترط) بشأن الليبرالية ما ذكر وحدد في إطار السؤال، كالعمل بالقانون الوضعي بديلاً عن الشريعة، أو حكم الطاغوت على حكم الله، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو إنكار أحكام المرأة ومشروعية الجهاد.. على غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت