فهرس الكتاب

الصفحة 13159 من 27364

وعليه يكون الموقف الفكري واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار، فإذا كانت الليبرالية التي يبشر بها القوم ويدعون لها (تؤكد) تلك المسائل والأحكام المذكورة في السؤال والمكررة في الإجابة، فإن (الليبرالي) أياً كان هو (متناقض) ووقع في المحظور، أما إذا كان يرى خلاف ذلك، وأن الليبرالية التي (يعتقد) لا تجعل القانون الوضعي بديلاً للشريعة، ولا تنكر عقائد الإسلام من جهاد وفرق المسلم عن الكافر وغيره، ولا تنكر أحكام الإسلام من شؤون المرأة والأمر بالمعروف ولا تعتقد بضابط الحريات إلا الدين.. فإن هذه الليبرالية لا تعتبر (كفراً) ، وعليه لا يجوز (تكفير) الليبرالي. إذاً كان بإمكان أي ليبرالي مفكراً أو كاتباً أو أكاديمياً أو حتى إنساناً عادياً أن (يتجاوز) ما قاله الشيخ؛ لأنه ليس المقصود في تلك الفتوى التكفيرية المزعومة، خاصة أن الشيخ الفوزان قال بوضوح: (الذي يقول(إنه مسلم ليبرالي) متناقض إذا أريد بالليبرالية ما ذكر) لاحظ مناط الفتوى أو الإجابة محدد بما ذكر!

على أرضية ما سبق آتي إلى السبب الآخر الذي دعاني لمناقشة مسألة (الفتوى الليبرالية) ، المتمثل بحالة الاضطراب الفكري إزاء الليبرالية التي تنتاب الليبراليين أو المحسوبين على التيار الليبرالي، والاضطراب المقصود هو (حالة التناقض الحاد) بين ما يقوله الليبراليون وما يعتقدونه وما هو حقيقي وفعلي بالنسبة لليبرالية، اضطراب يكشف أن الليبرالي لا يفهم ما يقرأ ولا يعي ما يسمع بشأن هذا الفكر الوافد الذي يراد له أن ينبت في تربتنا الإسلامية ويقلب منظومة قيمنا الاجتماعية، وهو بحكم الجاهل إذا كان يعتقد أن الليبرالية لا تتعارض مع الدين، والإسلام تحديداً الذي هو (دين ومنهاج حياة) ، وحتى تكون الأمور في نصابها.. فلنقف على أبرز ما جاء في ثنايا السؤال الذي وجه للشيخ.. وبالذات الجزئية المتعلقة بالحرية.

فالليبرالية ببساطة ووضوح تام تسعى إلى (تحقيق الحرية الفردية) للإنسان، بحيث يكون حر (الاعتقاد) ، حر (الضمير أو الفكر) ، حر (التصرف أو السلوك) ، غير خاضع لأي سلطان ديني، ما يعبر عنه في الغرب بالكهنوت، أو أي نظام سياسي استبدادي، أو أي نظام اقتصادي إقطاعي، فلا سلطان على الإنسان إلا للعقل الذي يشرع الأنظمة ويصوغ القوانين المتحكمة بحياة الناس، ويقبل أو يرفض القيم والفضائل السائدة ويقوِّم الخصوصيات الثقافية والعادات والتقاليد الموروثة، لذلك فالحريات في الفكر الليبرالي محكومة ب (قانون وضعي وتشريع بشري) ، بينما تبدو الصورة متعارضة تماماً بالنسبة للفكر الإسلامي الذي يعتبر الحريات محكومة بالوحي الرباني من تشريعات وأحكام قرآنية ونبوية، هي المرجع الرئيس والإطار العام لكل القوانين والأنظمة التي تحكم حياة الناس في عباداتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم، سواء على المستوى الإسلامي أو الصعيد الإنساني.

قد يقول قائل: وما الضير في محاولة الجمع بين الليبرالية والإسلام، بحيث نأخذ منها مع ما ينسجم أو يتوافق مع ديننا، وندع ما يتعارض مع شريعته، فأقول إن أنظمة المجتمعات المتحضرة والدول المتقدمة لا تقبل بوجود (مرجعيتين) في سن القوانين وتشريع النظم؛ لأن ذلك سيخلق مجتمعات متباينة في إطار الدولة الواحدة، قد تصل إلى التصادم عند تقرير قيمة أو نظام على أرض الواقع. الأمر الآخر: أن الليبرالية في أساسها الفلسفي وواقعها العملي لا تقبل دخول النص الديني على تشريعاتها ونظمها؛ كونها أصلاً ثمرة عصور التنوير الأوروبي التي أعلنت القطيعة مع الدين واستبعاده حتى من مصادر المعرفة، وفرضت العقل.

أخيراً.. بعد هذا العرض أرى أن الليبرالي لا بد أن يحسم أمره تماماً، كون الفتوى كشفت أنه على مفترق طريقين، واستمراره دون هذا الحسم يعني استمرار اضطرابه الفكري.. إما أن (يتبرأ) من الليبرالية تماماً حتى لا يقع في الحرج الديني، أو يعتقد بكل ما فيها كما هو حال الليبراليين الجدد.

رابط المقال في الجريدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت