يثير مصطلح العولمة (1) Globalization ومفاهيم الشراكة وعروض التعاون والتبادل الدولي الجماعي والثنائي والمتعدد الأطراف وطروحات النظام العالمي الجديد كافة جدلاً واسع النطاق، وأسئلة لا أول لها، ولا آخر، ويعبِّر عن اختلافات نظرية وعملية عميقة تصل حد التناقض والتصادم بين مختلف الأطراف الدولية، كما يُثير إشكالات P r oblematiques لا حصر لها لا تتصل بأبعاد وأهداف الفكرة في حد ذاتها، بل بما تعكسه من نماذج هيمنة لا تبدو مقنعة خلف صراع المصالح المستعر، وبما تفرضه كذلك من تبعية مباشرة لقطب دولي قوي.
ولعل أكثر وأهم الإشكالات تلك التي تتجاوز غموض الفكرة وتعدد مصطلحات التعبير عن الظاهرة، والخلافات التفسيرية الناشئة عنها إلى حكم حاد مُسبق عليها نتيجة تصورات مُسبقة كذلك، تضع في اعتبارها نتائج وسياقات التطور التاريخي المؤلم للصراعات الناشئة في أكثر الأحيان عن خلافات أيديولوجية وتصادم مصالح، كما لا تهمل تعسفية الغرب الخاصة بمسألة القوة وبمسألة الاحتواء Containment في الاقتصاد والسياسة الدولية والتي في مقدمتها: شرط اقتصاد السوق.
إن أطروحة العولمة تشمل كل مجالات النشاط التبشيري، فرغم طابعها الاقتصادي، إلا أنها لم تتم بمعزل عن تحولات السياسة والثقافة واللغة والفن... إلخ، التي تشكل روافد تصب في الرأسمالية، بمعنى أنها تقوم على فكرة أساسية"رأسمالية"في الأصل، وفي صورة إمبريالية جديدة ذات صفات وأبعاد حضارية وإنسانية ترتكز على دعاوى"الحرية"، و"الديمقراطية"، و"حقوق الإنسان"، و"الأمن الدولي"، و"المشروعية"...إلخ لتحصيل مصالحها دون أدنى مصادمة حتى تقوّض أسباب رفض المشروع برمته، وتفوّت فرصة اصطدامه بالثقافات المحلية والتناشز المعرفي Cogintive Dissonance وكذلك بالثقافات القومية والمصالح المترتبة والناشئة عنها التي تشكل جهة الرفض حتى هذه اللحظة.
السيطرة تحت ستار السلام: والغرب هو الخاسر الوحيد إذا حدث هذا الصدام أو الرفض الدولي، باعتباره تربى على ترف اقتصادي وسلوك معيشي تميّز بالبحبوحة على حساب تعاسة وفقر واحتياج أغلبية سكان الأرض، وهو ترف حققته الآلة العسكرية في حُقبة تاريخية محددة بالاستعمار المباشر وحققته الشركات المتعددة الجنسية (2) ، عقب انحسار ذلك الاستعمار وتشكيل الحكومات الوطنية ومشاريع التنمية الرأسمالية، وهو الآن مهدد بفعل تنامي الوعي الوطني والقومي الذي يجتاح الأرض، وبفعل زيادة معدلات النمو الاقتصادي بأنماط غير رأسمالية، وهو ما جعل الغرب يُقدّم فكرته في طبق السلام والتعاون والشراكة والمصالح المتبادلة والأمن الدولي... إلخ، حتى يحقق مصالحه ويحافظ على امتيازاته دون أدنى مصادمة تجعل سعر فاتورة المواد الخام أكثر مما هو قائم بحساب اقتصاد الربح الرأسمالي الذي يضع في اعتباره شبح حروب التحرير الشعبية في فيتنام وكوريا والجزائر... إلخ، وما يمكن أن تثيره صدامات المستقبل من أزمات للنظام الرأسمالي برمته تجعله يفقد أسواقاً قائمة، ويواجه أزمات خطيرة.
وليس من شك من أن تطور الاقتصاد البرجوازي الغربي ونشوء الرأسماليات التجارية والصناعية الحديثة في شكل رساميل ولوبيات وإمبراطوريات، قامت على أكتاف سكان الجنوب، وهذه الحقيقة لا يمكن أن تنكرها أوروبا محل ولادة ظاهرة الاستعمار، حتى وإن فقدت سيطرتها ووزنها السياسي وثقلها الدولي لمصلحة أمريكا كقوة منتصرة منذ الحرب العالمية الثانية وأنتج ثقلها البشري والاقتصادي والتقني،"فمشروع مارشال"مثلاً لإعادة إعمار أوروبا لم يقطف ثماره سوى الأمريكان الذين أعادوا الإعمار بوصفات التبعية والهيمنة، هذا التحليل يُفسر إلى حد بعيد مسألة الوحدة الأوروبية، فأوروبا اضطرت تحت ضغط مطالب المستقبل وضغط المصالح إلى إعلان الاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة والعملة النقدية الموحدة"اليورو"وإزاحة كل الفواصل، رغم ما يفصل بينها من عوازل الطبيعة وفواصل الجغرافيا السياسية وما يُفرِّق بينها من لغات وأديان وأجناس وإرث نفسي وثقافي مليء بالمواجهات والمشكلات، أفرزتها الحروب والتطاحنات والثارات التي لا تخفى على أحد من المطلعين على تاريخ تحولات أوروبا، لكنها اختارت صيغة الوحدة والتقارب والتعاون"الأوروبي الأوروبي"، واستبدلتها بصيغة الحروب القومية"وفكرة المجال الحيوي"، والصراع على المستعمرات ومناطق النفوذ، حتى تفلت من طوق الكماشة الأمريكية الجديدة التي تمثلها فكرة العولمة، وحتى لا تكون ضحية مشروع مارشال أمريكي جديد.