عبد العزيز محمد قاسم * 1/11/1427
زرت بلاد المغرب مع أستاذي د.عبدالقادر طاش -يرحمه الله- مع بدايات قناة (اقرأ) الفضائية قبل أكثر من سبعة أعوام، وانطبعت صورٌ اجتماعية عديدة في ذهني ونحن نتجول في أزقتها ونرتاد بعض مقاهيها في أويقات الراحة، وبالطبع كانت الصورة تغريبية بالكامل جرّاء الاستعمار الفرنسي الطويل لتلك البلاد. وتسنّى لي زيارتها قبل عام تقريباً، وألفيت كثيراً من التغيير الايجابي نحو التدين والحمد لله، وكنت أسأل بعض المغاربة عن سبب فُشُوّ ظاهرة الحجاب بين الفتيات، والإقبال الكبير للشباب على المساجد، فكان الجواب الذي ينتصب عالياً أينما يمّمت بسؤالي: إنها الفضائيات الإسلامية والدعاة الجدد أمثال: عمرو خالد ومحمد العوضي وطارق السويدان وعايض القرني.
وقبل شهرين كانت لي زيارة إلى تونس، وكنت حريصاً على ولوج المساجد هناك وأداء الصلوات بها، لفرضية ذلك بالطبع ولولعي بمشاهدة الطقوس التي تسبق أداء الصلاة، أو تلك التي تُؤدّى بعد التسليم، وخصوصاً أنني إزاء مالكية لا يتوافر لمثلي معرفة دقائق مذهبهم، وبالطبع تبدّدت من أول زيارة أوهام مسألة الدخول بالبطاقات للمساجد التي راجت في أوساطنا الإسلامية؛ فتلك كانت فِرية غير صحيحة إطلاقاً، وكنت سعيداً جداً وأنا أرى شباباً غضاً يملؤون المساجد ويواظبون على الجماعة، خلاف ما اعتدناه من حرص كبار السن فقط على اعتياد المساجد. وتستلفتك مناظر الفتيات اللواتي يلتزمن الحجاب الشرعي، وإن كانت نسبتهن أقل مقارنة بما رأيته في المغرب مثلاً، إلا أنني أجزم بأن سنوات قليلات ستمضي، وسنرى جموع هذه الفتيات كأخواتها في مصر.
ما فعله الاستعمار الفرنسي في تغيير هوية دول المغرب العربي ليس سهلاً بالتأكيد، ونحمد لكل أولئك الذين حافظوا على عروبة وإسلام تلك الدول، ووجدتني وأنا إزاء المدن الساحلية السياحية المليئة بمناظر التغريب، أتمتم بيني وبين نفسي كلمات الكاتب الأميركي (باتريك بيوكانان) :"إن قوة العقيدة الإسلامية لمدهشة حقاً.. لقد قاومت العقيدة الإسلامية قرنين من الهزيمة والمذلة؛ إذ هُزمت الخلافة العثمانية، وصمدت تلك العقيدة أجيالاً تحت الحكم الغربي، وتغلبت على مسيرة التغريب في مصر والعراق وليبيا وإثيوبيا وإيران.. لقد تغلّب الإسلام بسهولة على المدّ الشيوعي والناصرية القومية، والآن يصارع القوة العالمية الجديدة". وزاد يقيني بمقولة الكاتب والسياسي الأمريكي وأنا أتجول في أروقة جامع الزيتونة في العاصمة تونس، وصلّيت في محرابها، وقد جثمت عليّ صور شيخ المؤرخين ومؤسس علم الاجتماع العلاّمة ابن خلدون الذي كان يلقي دروسه في هذا المسجد حيناً من الزمن، ويفخر به التوانسة كثيراً، وقد أقاموا له نصباً كبيراً في أهمّ شارع بالعاصمة.
الحقيقة أنني رأيت تأثير هذه الفضائيات والدعاة الجدد في الشارع التونسي والحمد لله، مما ألحّ عليّ سؤالات واقتراحات ما فتئت تؤرقني حيال تفعيل دور هذه الفضائيات، وعن سبب إحجام الدعوة في امتطاء هذه التقنية الخارقة التي تخترق الحدود والجغرافيا والحواجز التي تقيمها الأنظمة السياسية على اختلاف توجهاتها.
في تصوّري المتواضع بأنه آن الأوان لأن تنقلب الهيئات الخيرية والدعوية في بلادنا الخليجية على طرقها التقليدية في الدعوة، من أمثال كفالة معلم وكفالة داعية وطبع كتاب ومطويات، على خيرية ذلك كله، إلاّ أنها تبقى وسائل قديمة تشوبها كثيرٌ من المآخذ. لا بدّ على هيئاتنا الدعوية الموقرة من امتطاء الأقنية الفضائية بشكل جديد، وإيلاء هذه التقنية حقها من العناية والاهتمام، وأنا أوجه دعوتي لدعاة عمالقة لهم قدم راسخة وفكر مستنير من أمثال د.عبدالله التركي ود.صالح الوهيبي ود.عبدالوهاب نور ولي ود.عدنان باشا ود.عبدالحميد الزامل ليتلمسوا عينية امتطاء هذه الوسائل في الدعوة إلى الله.
أفلا يَسَعُ هيئاتنا الدعوية الكبيرة من أمثال رابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب وجمعية الإصلاح الكويتية منها والبحرينية والوقف الإسلامي وهيئة الإغاثة، بل حتى وزارة الشؤون الإسلامية، أن تكون لديهم أقنية فضائية دعوية خاصة بهم، لاسيما أن أكلافها المادية لم تعد كبيرة مقارنة ببداياتها، إضافة إلى أنها قناة أمينة موصلة للأدبيات المعتدلة والمنهج الوسطي الذي نروم تقديمه للعالم، بدون أن نُرتهن لجهة ما، أو نتحمل أخطاء داعية منفر أو متعصب أو غالٍ، فالمواد التي نبثها توافق وسطية واعتدال هذه الدولة التي ننتمي ونفخر..