محمد سرور بن نايف زين العابدين
إنها أزمة:
ليس من شيء في عالمنا المعاصر أكثرُ من الأزمات التي لا يخلو منها بلد من البلدان، أو مدينة من المدن، وأكاد أقول: لا تخلو منها معظم بيوت المسلمين.
فكثيراً ما نسمع أن هناك أزمة في الحكم في هذا البلد أو ذاك، ويعود نشوءُ هذه الأزمة لأسباب مختلفة:
منها: حدوث اختلاف قوي بين الحزبين الذين يتقاسمان السلطة - وما أكثر هذا النوع من الخلافات -، ويفتقد كلُ من هذين الحزبين الأكثرية في المجلس التشريعي - البرلمان - التي تمكنه من الانفراد في الحكم.
ومنها: أن يصل العسكريون إلى الحكم إثر انقلاب عسكري يحوكون خيوطه في الظلام، ثم يذعن الناس لسياسة الأمر الواقع، وينتظرون استقرار الحكم الجديد، وتنفيذ قادته للوعود المعسولة التي وعدوا الأمة بها بعد نجاح انقلابهم على النظام المهترئ العميل الذي أطاحوا به (على حد زعمهم) ، ولكن الناس يفاجأون بانقلاب جديد على هذا الانقلاب، قد يكون صامتاً، وقد ينقسم الجيش إلى أجنحة تتقاتل فيما بينها، وربما تجاوزت شظايا ونيرانُ هذه المعارك الثكنات العسكرية لتصل إلى الآمنين من المدنيين في المنازل والأسواق والشوارع العامة.
وقصارى القول: إن الأسباب تتعدد بتعدد الأزمات التي لا نهاية لها، ولابد أن ينعكس أثر هذه الأزمات على شؤون الإدارة والحكم، فيتغيب كبار المسؤولين عن مكاتبهم في الوزارات والمؤسسات العامة، وتتعطل مصالح العباد، ويستولي الهلع والقلق على نفوس الناس، وتكثر الأسئلة والهمسات عما ستنجلي عنه هذه الأزمة.. ومن المنتصر.. وما هي السياسة التي سيتبعها.. وهل في انتصار هذه الجهة أو تلك أمل في بتر دابر الفساد والمفسدين؟!.
غير أن المواطنين يصابون بخيبة أمل عندما يستقر الوضع لصالح جهة من الجهات المتصارعة، لأن الفساد على مختلف أشكاله يستمر، والقهر والاستبداد يزداد سوءاً، والأمل من التغيير يتبدد، وتترسخ قناعة أهل الخير والصلاح بأن هذا وذاك سواء لأنهم شركاء في الحكم والفكر، وما بينهم من خلافات لا تعدو المصالح الشخصية.. وأن كل من حادّ الله ورسوله واتبع سبيل الشيطان لا خير فيه، ولو رفع راية العدل والإنصاف.
وتطرق مسامعنا بين الحين والآخر أخبار الأزمات الاقتصادية المتتالية، لاسيما ونحن نعيش في عصر هيمن فيه طاغوت ظالم اسمه"صندوق النقد الدولي"، فعندما يضغط هذا الصندوق الربوي على بلد من بلدان العالم تأخر في وفاء الالتزامات المطلوبة منه، ويأمره برفع الدعم عن بعض المواد الغذائية الضرورية، لابد أن يستجيب البلد للأمر المطلوب منه، ولو حاول أن يتهرب منه بعض الوقت، والاستجابة هذه يتحمل وزرها الفقراء الذين كان دخلهم يكاد لا يسد حاجاتهم الضرورية قبل رفع الأسعار، فكيف يكون حالهم بعدها؟!.
ولما كان هؤلاء الفقراء يمثلون الغالبية العظمى من أبناء هذا البلد، فإنهم لا يجدون وسيلة يعبرون فيها عن مشاعرهم عندما يقترب منهم شبح المجاعة إلا الخروج إلى الشوارع العامة متظاهرين مستنكرين، وقد تتحول المظاهرات إلى قتال دموي عندما تأمر السلطة رجال أمنها وقوات جيشها بقمع هذا الشغب (!!) .. ولابد أن تكون الغلبة لقوات النظام المدربة على مثل هذه الأعمال، لاسيما وأنها مزودة بالأوامر التي تسمح لها بقتل وجرح وأسر كل من لا يفر هارباً من أمامها.
يتفرق المتظاهرون، وكل منهم له شأن، فمنهم من يقتل وينشغل أهله بأمور دفنه، ومنهم من تعج بهم المستشفيات ليعالجوا من الإصابات التي تعرضوا لها، ومنهم من يكون مصيره السجن ويوجه إليه ما يشاء المحقق من التهم، والبقية الباقية يعودون إلى منازلهم التي خرجوا منها يشكون أزمة اسمها"الخبز"ورجعوا إليها بأزمة أخرى اسمها القهر والاستعباد والإذلال.
وهناك أزمات بين السلطة والنقابات المهنية لا ينقطع الحديث عنها، فقد تطالب نقابة من النقابات برفع أجور العمال المنتسبين إليها ليكون دخلهم متناسباً مع ارتفاع الأسعار. وقد ترفض السلطة هذا الطلب لأن الميزانية لا تتحمل مثل هذه الزيادة، فلا تجد النقابة بداً من الإضراب الذي قد يؤدي إلى توقف إنتاج الشركات والمصانع، أو إلى تعطيل حركة السير وامتلاء الشوارع بالقمامة وبالروائح الكريهة التي تنبعث منها.. ثم تبدأ المفاوضات من جديد بين السلطة والنقابة للبحث عن مخرج من هذه الأزمة.
أجل.. إن الأزمات التي يهتم بها الناس - كل الناس - كثيرة ومتنوعة، لكن أزمة واحدة لا تجد نصيبها من العناية والاهتمام والدراسة مع أنها أزمة الأزمات، ومشكلة المشاكل، وعنوان رقي الأمم أو هلاكها واندحارها أمام أعدائها.. إنها أزمة الأخلاق!!، وما من أزمة أخرى إلا ولها بها صلة، فالسلطة الملتزمة بالعدل وقواعد الأخلاق تجوع إذا جاع الناس، وتشبع إذا شبعوا، وهكذا كان شأن عمر ابن الخطاب وغيره من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم:
إن جاع في شدة قوم شَرِكْتَهُمُ في الجوع أو تنجلي عنها غواشيها
جوع الخليفة والدنيا بقبضته في الزهد منزلة سبحان موليها