إنني أفهم لماذا يثور الناس ويقاتلون من أجل خبز يومهم، لكني لا أفهم لماذا لا يثورون ويقاتلون من أجل دينهم الذي يعتدى عليه، ومن أجل أخلاقهم التي تنتهك وأعراضهم التي تهتك.. فهل الطعام والشراب أهم عند الناس من الدين والأخلاق؟!.
وأفهم كذلك لماذا يعرف الخاصة والعامة، والصغير والكبير من غير استثناء أن هناك أزمة اسمها: إضراب عمال التنظيفات من أجل زيادة أجورهم، لكنني لا أفهم لماذا لا يعرف هؤلاء جميعاً بأن هناك أزمة اسمها أزمة أخلاق، ولماذا لا تكون إثارة الناس لهذه الأزمة بحجم إثارة عمال التنظيفات لقضيتهم؟!.
تلجأ السلطات أحياناً إلى إثارة أزمة لها علاقة قوية بالدين والأخلاق، ومن الأمثلة على ذلك مشكلة المخدرات التي تجتاح العالم كله، فتعقد من أجلها المؤتمرات والندوات، وقد يستدعي علماء ودعاة ليدلوا بدلوهم، وليبيّنوا حرمة تعاطي هذه السموم.. ثم يخرج المؤتمرون بقرارات من أهمها تشديد العقوبة على كل من يتاجر بالمخدرات، لكن هذه القرارات تبقى حبراً على ورق لأن المطلوب منهم تطبيقُها هم المدمنون على المخدرات، وهم الذين يَرْعَونَ العصابات الخطيرة التي تتاجر بها، ولديهم حيل ووسائل كثيرة يبررون من خلالها مواقفهم، ويلقون باللائمة على غيرهم.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السلطات لا تكافح المخدرات لأسباب دينية وأخلاقية، وإنما تكافحها لما لها من أثر مدمر على اقتصاد بلدانهم، ولأن الإدمان مرتبط أشد الارتباط بالجريمة، وازدياد الجرائم يهدد أمن النظام واستقراره.. ولولا هذان السببان لبقيت المخدرات مسألة شخصية مثلها كمثل الخمور التي تبيحها القوانين المعمول بها.
ومن الأدلة على ذلك أن بعض المسؤولين التنفيذيين عن مكافحة المخدرات يقولون في الندوات العامة:
إن الذين يداومون على ارتياد المساجد لا يتعاطون المخدرات.. وإن معظم التائبين إنما ترتبط توبتهم بأسباب دينية.. ثم يختمون حديثهم بالدعوة إلى نشر الوعي الديني بين الشباب.
ثم نسمع فيما بعد أن هؤلاء المسؤولين الصغار قد أبعدوا عن وظائفهم، مع أن بعضهم ليس متديناً، وقال الذي قاله من منطلق الأرقام والإحصائيات التي بحوزته، وهو لا يدري أنه قد تجاوز الحدود المسموح بها، وليس من حقه أبداً التوصية بنشر الوعي الديني لأن المسؤولين الكبار لو خيروا بين انتشار المخدرات أو الوعي الديني لاختاروا الأولى على الثانية التي تهدد فسادهم واستمرارهم في السلطة.
إن أزمة الأخلاق التي تعاظم أمرها، واستفحل شرها يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام آخر تثير أمام الباحثين السؤال الآتي:
هناك صحوة إسلامية يلمسها كل إنسان أينما اتجه: في المساجد، والمدارس، والمصانع، والشوارع العامة، ورغم كل القيود التي تعترضها فإنها والحمد لله تزداد رسوخاً وصلابة وكثرة.
وهناك أيضاً فساد عريض على المستويين الفردي والجماعي.. فكيف نجمع بين هذا وذاك؟!.
وقبل الإجابة على هذا السؤال فإنني أهيب بإخواني الدعاة أن يتجنبوا النظرة السطحية القاصرة التي لا يرى فيها بعض الصالحين إلا من كانوا على شاكلتهم من أهل الفضل والتدين.. يرونهم في المساجد التي تزدحم بالمصلين، ويرونهم أيضاً في المنتديات العامة والخاصة فيظنون أن الأمة بخير.. لكنهم لو أتيح لهم أن يروا دوائر أخرى مخالفة لدائرتهم الخاصة لتمالكهم العجب والذهول، وظنوا أنهم في بلد آخر غير بلدهم الذي يعرفونه، ولابد من التذكير أن الدعاة لن يكتب لهم النجاح وتحقيق الأهداف إلا إذا أحاطوا بعلل مجتمعاتهم.
ومن جهة أخرى فإن انتشار الوعي الديني قد تحقق بقدرة الله - سبحانه وتعالى-، ثم بجهود بعض الصالحين من الدعاة الذين كتب الله لهم القبول عند الناس.. وإمكانات هؤلاء الدعاة بسيطة وغير منظمة، أما إمكانات أهل البغي والفساد فغير محدودة من قوة اتساعها، ففي الإطار الداخلي يتبنى مشروعهم جهات رسمية لها بنود في ميزانية الدولة، وفي الإطار الخارجي تقف الدول الاستعمارية بتاريخها البغيض وراء مخطط إبعاد المسلمين عن دينهم لأنه مصدر قوتهم، ومبعث عزهم، ولا سبيل إلى تحقيق هذا المخطط إلا بنشر الفساد وإشاعة الظلم والاستعباد.
ومن جهة ثالثة فنحن لا نواجه أزمة بدأت آثارها تبرز منذ أعوام قليلة، ولا نتحدث عن المعاصي الفردية التي يتستر المذنبون بفعلها لأن مثل هذه الأفعال لم يخل منها أي عصر من العصور بما في ذلك عصر الرعيل الأول.
متى بدأت هذه الأزمة.. ومن الذي خطط لها وكيف.. وما هو مدى تأثيرها على الدعاة.. وكيف تكون البداية التي ينطلق منها المصلحون، وبمن يقتدون؟! هذا ما سأحاول الإجابة عليه في هذا البحث، ومن الله وحده نستمد العون والتوفيق.
المستعمر وضع أساس هذه الأزمة: