كان للإرساليات التبشيرية في بلدان العالم الإسلامي دور في اقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوب ونفوس من وقع في شراكهم من أبناء أمتنا، ومن أجل ذلك كانوا يعقدون المؤتمرات التي يستعرضون فيها أنشطتهم، ويضعون الحلول المناسبة للمشكلات التي تواجههم، وفي أحد أهم مؤتمراتهم تدارسوا أسباب فشلهم في تنصير المسلمين رغم ضخامة الإمكانات التي يضعونها في هذا السبيل، وفي هذه المناسبة ألقى القس زويمر رئيس مؤتمر القدس التبشيري خطبة، كان مما قاله فيها:
"أيها الإخوان الأبطال والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد المسلمين، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق الجليل المقدس، لقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن الأداء، ووفقتم لها أسمى التوفيق، وإن كان يخيل إلي أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه، لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه.. إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم أحد ثلاثة: إما صغير لم يكن له من أهله من يعرّفه ما هو الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، وقد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش، وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية. ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن هذا هداية لهم وتكريم، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به في خلال الأعوام السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه، وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً كل التهنئة"، وأضاف قائلاً:
"لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية.. والفضل إليكم وحدكم أيها الزملاء أنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد".
"إنكم أعددتم نشئاً (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن بنوا أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء".
"إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج وباركتكم المسيحية، ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضوع بركات الرب"أهـ [1] .
في خطاب زويمر لفتات مهمة يجدر بكل مسلم غيور على دينه أن يتأملها جيداً، ولعل من أهمها قوله:".. وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها".
ومن هنا نستطيع أن نكتشف أسرار وأبعاد كثير من الأمور التي جرت ولا تزال تجري في بلدان العالم الإسلامي:
-قرر المبشرون في مؤتمرهم المنعقد سنة 1906 بالقاهرة إنشاء جامعة علمانية على نمط الجامعات الفرنسية لمناهضة الأزهر، والذي قالوا إنه يتهدد كنيسة المسيح بالخطر.
وفي سنة 1908 تم افتتاح الجامعة المصرية (أي جامعة القاهرة اليوم) ، وكان من أبرز المؤسسين لها والقائمين عليها:
قاسم أمين، سعد زغلول، أحمد لطفي السيد، مرقص فهمي، السير جاستون ماسترو، يعقوب آرتين، إسماعيل صدقي، وسيرة هذه الأسماء وتاريخها الفكري خير دليل على أن هذه الجامعة لن تكون إلا منبراً من منابر التغريب والإفساد، وعلى هذا النحو قامت كليات ومعاهد ومدارس ابتدائية، وثانوية في مصر أولاً ثم في بقية البلدان العربية، وكلها ملتزم بالمنهج العلماني، ولكن بصياغة عربية معدلة لابد فيها من التدرج، وعدم مفاجأة الناس بما لا يطيقون.