-جميع القادة الذين تولوا شؤون الحكم والفكر في بلادنا متخرجون من مدارس تبشيرية صليبية، أو من جامعات غربية كجامعة لندن، وباريس، وبرلين، أو من فروعها في بلادنا؛ كالجامعة اليسوعية، أو الأمريكية التي تخرج منها أكثر دعاة القومية العربية الذي تزعموا أحزاباً وحركات علمانية.. والكليات الحربية التي خرّجت قادة الانقلابات العسكرية لا تشذ عن هذه القاعدة في نهجها، وفي تربية الضباط الذين يتخرجون منها، ولا يكتفي المشرفون على هذه الكليات بالمناهج العلمانية التي يتلقاها الدارسون قبل تخرجهم، وإنما يرسلونهم إلى أمريكا وأوربا بما يسمونه دورات تختلف في مسمياتها، وتتفق في نتائجها التي لا تخرج عن الإعجاب بالغرب وتقدمه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها إقامة علاقات محرمة يحنون إليها بعد عودتهم إلى بلدانهم.
-أنشأ المشرفون على الجامعة المصرية كليات ومعاهد عليا أطلقوا عليها اسم"الفنون الجميلة"مع التزام قاعدتهم الآنفة الذكر"التدرج وعدم مفاجأة الناس بما لا يطيقون"أتدري أيها القارئ الكريم ما هي هذه الفنون الجميلة؟!.
إنها: التمثيل، والتصوير، والموسيقى، والمسارح، والرقص، والسينما. ولابد للدارسين والعاملين في هذا الميدان من اختلاط الرجال بالنساء، كما أنه لا يمكن للمرأة أن تمارس هذه المهنة إلا إذا خرجت سافرة ومتبذلة.. هذه هي فنونهم الجميلة، أي أن ترقص المرأة مع الرجل على خشبة مسرح عام تمتلئ مقاعده بالمشاهدين فكيف إذا كانت هذه الفنون قبيحة؟!.
-كان من بين الذين مهدوا لهذا الغزو الهدام ناس تخرجوا من الأزهر، وآخرون مثقفون بثقافة إسلامية، ومن بين هؤلاء وأولئك: الشيخ رفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وعلي عبد الرازق، يقول الأخير في تقريظه لكتاب"السفور والحجاب"للكاتبة السورية نظيرة زين الدين:
"إني لأحسب مصر قد اجتازت بحمد الله طور البحث النظري في مسألة السفور والحجاب إلى طور العمل والتنفيذ، فلست تجد بين المصريين إلا المخلفين منهم من يتساءل اليوم عن السفور هل هو من الدين أم لا، ومن ضروريات الحياة الحديثة، أم لا، بل نجدهم حتى الكثير من الرجعيين المحجبين منهم يؤمنون بأن السفور دين وعقل وضرورة لا مناص لحياة المدنية عنها".
".. أما إخواننا السوريون فيلوح أن للسفور والحجاب عندهم تاريخاً غير تاريخه في مصر، فهم لم يتجاوزوا بعد طور البحث النظري الذي بدأه بيننا المرحوم قاسم أمين منذ أكثر من عشرين سنة، ولكنهم على ذلك يسيرون معنا جنباً إلى جنب في الطور الجديد الذي نسير فيه، طور السفور الفعلي الكلي الشامل" [2] .
أما الشيخ رفاعة الطهطاوي، فقد أعرب في كتابه"تخليص الإبريز في تلخيص باريز"عن إعجابه بحضارة الغرب، ودعا بعد عودته من فرنسا إلى الاقتداء بالفرنسيين حتى في إنشاء المسارح والمراقص، مدعياً أن الرقص على الطريقة الأوربية ليس من الفسق في شيء، بل هو أناقة، وفتوة [3] .
ولم يكن موقف الشيخ محمد عبده بعيداً عن موقف هؤلاء المحسوبين على الأزهر، يقول عباس محمود العقاد وهو من المعجبين بالشيخ: إن دراسة الفنون الجميلة من بنات أفكار محمد عبده، ومن جهة ثانية فقد نقل عن بعض الذين كانت لهم صلة بالشيخ أنه هو الذين ألف كتاب"تحرير المرأة"، أو أنه هو الذي أملى أفكار هذا الكتاب على تلميذه قاسم أمين إرضاء للأميرة"نازلي فاضل"التي غضبت من كتابه الأول الذي ينتصر فيه للحجاب، وينتقد بعض السيدات المصريات اللائي يتشبهن بالأوربيات، فظنت الأميرة نازلي بأن قاسماً يعنيها.
الأميرة نازلي فاضل هي ابنة الأمير مصطفى فاضل نجل إبراهيم بن محمد علي الكبير، وكان والدها مصطفى فاضل يعتبر نفسه أحق بعرش مصر من الخديوي إسماعيل، وهي - نازلي - كانت ضد الخديوي عباس، ولهذا السبب كان لها صلة وثيقة بقصر"الدوبارة"وهو مقر المندوب السامي الإنكليزي، كما كان لها صالون يرتاده كبار أهل السياسة والفكر من أمثال: المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر، فارس نمر، يعقوب صروف، الشيخ محمد عبده، قاسم أمين، اللقاني، محمد بيرم، سعد زغلول.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الأميرة المعجبة بالغرب، والداعية إلى السفور والاختلاط كانت تطبق الاختلاط في صالونها يوم أن كان الاختلاط غير وارد طرحه للنقاش عند عامة الناس وخاصتهم إلا من كانوا على شاكلة رواد صالونها.
إذن كان الشيخ محمد عبده من رواد هذا الصالون، ومن المعجبين بالأميرة، وكانت هي معجبة به كذلك، وقال الشيخ فيها كما جاء في كتاب تاريخ الإمام:"حضرة البرنسيس التي لها من قلبي المنزل الأبهى، والمقام الأسمى"، وما كان الشيخ - وهو الذي يتقد ذكاء - يجهل انحراف هذه الأميرة وفسادها، ولا عجب إذا علمنا أنها تزوجت فيما بعد من طبيب أمريكي فأخرجها عن الإسلام، وتنصَّرت والعياذ بالله وكذا ابنتها"فتحية"، شقية الملك فاروق فقد تزوجها قبطي مصري، بدعوى أنه أسلم، ثم تبين عدم إسلامه، فحملها على أن تنصرت معه، وأخذ مالها، وفارقها، ثم قتلت فيما بعد في أوربا" [4] ."