-إذا كان الاختلاط والسفور قاصراً على صالونات: نازلي فاضل، ومي زيادة، وروز اليوسف، وكان رواد هذه الصالونات نوعية محدودة من أهل الفكر والسياسة، فإن هدى شعراوي تمكنت من السير بهذا النشاط الهدام خطوات أخرى، ففي سنة 1919 قادت مع زوجة سعد زغلول المظاهرة النسائية التي طافت شوارع القاهرة هاتفة بالحرية،"ثم تجمعن أمام ثكنات قصر النيل، وهتفن ضد الاحتلال.. ثم بتدبير سابق، ودون مقدمات ظاهرة، خلعن الحجاب، وألقين به في الأرض، وسكبن عليه البترول، وأشعلن فيه النار.. وتحررت المرأة!!!" [5] .
وفي عام 1923 دعت عدداً من النساء لحضور اجتماع في منزلها، وترتب على هذا الاجتماع بدء تشكيل الاتحاد النسائي المصري، الذي أخذت مجالات أنشطته تتطور وتتشعب داخل المجتمع المصري.
وفي عام 1944 تمكنت مع زميلات لها من عقد المؤتمر النسائي العربي الأول الذي أثار موجة غضب واستنكار في عدد من العواصم العربية.
وكانت هدى شعراوي في جميع أنشطتها النسائية مقلدة للمرأة الغربية، ومنفذة لما يطلب منها في الاتحاد النسائي الدولي، وفضلاً عن هذا وذاك فقد كانت معجبة بكل ما في الغرب، حتى شراسة أخلاق الرعاع في باريس كانت معجبة بها، ففي خطبة لها بمناسبة الاحتفال بالعيد العشرين للاتحاد النسائي الذي عقد في مدينة روما تقول:
".. ومنذ ذلك اليوم - أي يوم قبلت عضوية مصر في الاتحاد النسائي الدولي - قطعنا على أنفسنا عهداً أن نحذو حذو أخواتنا الغربيات في النهوض بجنسنا مهما كلفنا ذلك، وأن نساهم بأمانة وإخلاص في تنفيذ برامج الاتحاد النسائي الدولي الذي يشمل أغراضنا المشتركة".
وتقول عن فرنسا في أول زيارة لها:
"وقد أعجبني في باريس كل شيء حتى شراسة أخلاق الرعاع فيها، لأنها لا تخلو من خفة الروح وتعبر عن شخصية لا تكلف فيها ولا تغيير، فالفرنسيون أشخاص متفردون بعبقريتهم، مستقلون في أفكارهم وطباعهم وأعمالهم وصفاتهم حتى في عيوبهم".
وفي خطبة لها أمام الطاغية كمال أتاتورك قالت:".. إن هذا المثل الأعلى من تركيا الشقيقة الكبرى للبلاد الإسلامية، شجع كل بلاد الشرق على محاولة التحرر، والمطالبة بحقوق المرأة.. وأضافت: إذا كان الأتراك قد اعتبروك عن جدارة أباهم وأسموك [أتاتورك] فأنا أقول: إن هذا لا يكفي بل أنت بالنسبة لنا [أتاشرق] فتأثر كثيراً بهذا الكلام الذي تفردت به، ولم يصدر معناه عن أي رئيسة وقد شكرني كثيراً في تأثر بالغ، ثم رجوته في إهدائنا صورة لفخامته لنشرها في مجلة [الإجيبشيان] " [6] .
إن هدى شعراوي برت بعهدها الذي التزمت به في روما!! فحذت حذو المرأة الغربية، واتخذتها قدوة لها، وفي تركيا رشحت كمال أتاتورك ليكون أباً للشرق كله، وليس أباً لتركيا وحدها، وهي التي لا تجهل فساد هذا الطاغية وامتهانه للمرأة عندما جعل من قصوره موطناً للدعارة والفجور، وإذا كنا اليوم نقرأ مذكرات بعض الذين عاشوا مع أتاتورك، ونقرأ فيها فظائع عن مخازيه بحق المرأة نعف عن ذكرها في كتابنا، فكيف بمن كانت على صلة قوية بتركيا ورجال السياسة والفكر فيها أيام الطاغية أتاتورك؟!، ولا تجهل هدى شعراوي شدة عداوة أتاتورك للإسلام والمسلمين، فكيف تعمل على تحرير المرأة ثم تصفق من جهة أخرى للذي استعبد الأمة التركية رجالاً ونساءً.. عقيدة وفكراً، وجعل من نفسه إلهاً يعبد؟!.. إن هدى شعراوي تريد عن علم وخبث أن يحلّ بمصر خاصة والشرق عامة ما حلَّ بشعب تركيا.
وخلاصة القول: إن هدى شعراوي استفادت من أخطاء: نازلي فاضل، وروز اليوسف، ومي زيادة فتداركتها، وأقامت علاقات واسعة مع أهل الفكر والسياسة والإعلام، ومن ذلك بعض شيوخ الأزهر، وما كانت تخطو خطوة جديدة في مسيرتها إلا وتهيء لها مختلف الأسباب، وتقف في بعض الأحيان في صف الذين يدافعون عن الإسلام، ولها في ذلك رد على بعض الأقباط.
لكن هدى شعراوي رغم إمكاناتها الواسعة ما كان لها أن تحقق هذا النجاح الذي أحرزته لو لم تكن ابنة عميل الإنجليز محمد سلطان باشا، وزوجة علي شعراوي باشا الرجل الثاني بعد سعد زغلول في حزب الوفد، ولولا دعم الدوائر الاستعمارية لها داخل مصر وخارجها.
أما بالنسبة لدور الشيخ محمد عبده المؤسف وعلاقته بالأميرة نازلي فاضل وبمن كان يتردد على صالونها، فلا أظن أن الشيخ كان يريد للمرأة المسلمة ما يريده الإنجليز والفرنسيون ولا حتى ما تريده نازلي وغيرها، ولكن خصومته مع الخديوي ومصالح دنيوية أخرى دعته إلى الاستعانة بهذه المرأة وباللورد كرومر الذي كان يتردد على صالونها، وكان رواد هذا الصالون من معارضي الخديوي.. والشيخ في هذا مؤاخذ غفر الله له.
إن سياسة الإنجليز والفرنسيين كانت منسجمة انسجاماً كاملاً مع ما قاله زويمر، وخير مثال على ذلك ما ذكره الجبرتي عن أحداث سنة خمس عشرة ومائتين وألف، قال - رحمه الله: