د. محمد السيد سليم
لا توجد رؤية واحدة لمفهوم العولمة سواء على مستوى الأدبيات العالمية، أو أدبيات الدول الإسلامية، أو حتى المفكرين في الدول الإسلامية. فالعالم الإسلامي هو جزء من المنظومة الفكرية العالمية تنتشر فيه مختلف الرؤى والمفاهيم المطروحة حول العولمة.
ويمكننا استخلاص ثلاث رؤى رئيسية للعولمة نستعرضها بإيجاز، مع محاولة تلمس أبعاد رؤى إسلامية للعولمة بداخل كل منها:
* رؤية"الليبرالية الجديدة"للعولمة: الرؤية الاندماجية
* نقد العولمة: مفهوم"الاستعمار الجديد"
*الرؤية"التفاعلية"للعولمة
رؤية"الليبرالية الجديدة"للعولمة: الرؤية الاندماجية
تتمثل الرؤية الأولى للعولمة فيما تطرحه المدرسة"الليبرالية الجديدة"من أفكار بخصوص التحولات في النسق العالمي بعد نهاية الحرب الباردة.
وجوهر هذه الرؤية هو الاعتقاد الصارم بأن العولمة ظاهرة إيجابية ينبغي على الجميع التكامل معها واللحاق بها لأنها عملية"حتمية"لا فكاك منها، مما جعل بعض الدارسين يطلق على تلك الرؤية"الهوس بالعولمة"، وطبقا لهذه الرؤية، فإن العولمة تعني ظهور اقتصاد عالمي مفتوح ومتكامل، ونشأة نسق عالمي جديد يتخطى نسق الدولة القومية ويفوض السلطة إلى الشركات متعددة الجنسية وغيرها من المؤسسات عابرة القوميات.
كذلك تفترض تلك الرؤية أن المتغيرات الاقتصادية في ظل العولمة قد أصبح لها الأولوية على المتغيرات السياسية والثقافية، كما أن المتغيرات الاقتصادية قد أنشأت شبكة من المصالح الاقتصادية العالمية المتكاملة جعلت بدورها من المتغيرات الأخرى أقل شأنا من ذي قبل.
من ناحية أخرى فإن هذه الرؤية والتي يعد الباحث الأمريكي"توماس فريدمان"من أبرز المدافعين عنها، تؤكد أن العولمة هي"نظام دولي جديد يعتمد على التكامل بين رأس المال والتكنولوجيا والمعلومات التي تتخطى الحدود القومية للدول بطريقة نشأ عنها سوق عالمية واحدة. ومن ثم فإن العولمة ظاهرة اقتصادية - تكنولوجية بالأساس."
وفي هذه الظاهرة التي تجسد طبيعة النظام الدولي في حقبة ما بعد الحرب الباردة، فإن قوة الدول لا تقاس بمتوسط الدخل الفردي، وإنما بعدد خطوط شبكة الإنترنت التي تستخدم في الدولة، وكيفية استخدام وفهم وتوجيه تلك المعلومات. كذلك فإن العولمة ظاهرة إيجابية تؤدي إلى ارتقاء الدول التي ترتبط بها، وانحطاط الدول التي قد تحاول الانفصال عنها.
وعلى أي حال فإن العولمة أمر واقع وحتمي فسواء أعجبتنا العولمة أم لم تعجبنا، فهذا لن يغير من الأمر شيئا، فأنا لم أبدأ العولمة، ولا أستطيع في الوقت ذاته إيقافها. فالعولمة صارت حتمية ينبغي على الجميع الارتباط بها، وإلا حكم على المعارضين بالفناء.
وأخيرا فإن العولمة ظاهرة تلقائية نشأت نتيجة الثورة الصناعية الثالثة وما أثمرته من تقدم تكنولوجي، وهى ليست بالضرورة ظاهرة مقصودة تدفعها قوى دولية معينة. كذلك فإن الحل أمام دول الجنوب، ومنها الدول الإسلامية، هو الاندماج الكامل مع قوى العولمة. وكلما زادت سرعة هذا الاندماج زادت المكاسب المحتملة أمام تلك الدول، وإلا فإن قوى العولمة ستسحق دول الجنوب.
وفي هذا الإطار فإنه لا ينبغي التردد طويلاً أمام الشروط التي تفرضها القوى الدافعة للعولمة.
ويمكن القول إن تركيا تعتبر من أبرز المدافعين عن تلك الرؤية للعولمة من بين الدول الإسلامية. وفي هذا الإطار يأتي سعيها الحثيث للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وقبول شروطه الاقتصادية والسياسية والثقافية لدخول الاتحاد، بل والتعاون معه عسكرياً كما حدث في المرحلة الأخيرة.
ويمكن القول إن هذه الرؤية هي التي تسود خطاب كثير من القيادات الرسمية في العالم الإسلامي عند تحليلهم للعولمة. وتجد هذه الرؤية تعبيراً عنها في فكر الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف.
نقد العولمة: مفهوم"الاستعمار الجديد"
ينتمي إلى هذه الرؤية عدد من المدارس الفكرية والتيارات السياسية الشعبية غير المتجانسة والتي تستمد أصولها من فلسفات متباينة، ولكنها تشترك في قاسم مشترك أعظم وهو انتقاد العولمة والتركيز على آثارها السلبية، وإن كان هذا التركيز يتم بدرجات متفاوتة.
ومن تلك المدارس الفكرية مدرسة"الواقعية الجديدة"، ومدرسة"نظرية التبعية"، والمدرسة الماركسية التقليدية بالإضافة إلى التيارات الشعبية الداعية إلى الحفاظ على البيئة، وانتقاد إهمال العولمة للبعد الاجتماعي لعملياتها الاقتصادية، وهي التيارات التي تندرج تحت مصطلح"شعب سياتل"إشارة إلى القوى الاجتماعية التي تظاهرت في مدينة سياتل بالولايات المتحدة احتجاجا على مؤتمر منظمة التجارة العالمية المنعقد في تلك المدينة نوفمبر عام 1999، ومن المعروف أن تلك المنظمة هي أبرز المحركات الاقتصادية لعملية العولمة.
ويرى أنصار الواقعية الجديدة أنه لا جديد تحت الشمس في ظل العولمة.
فالنظام الدولي للعولمة لم يغير من واقع أن الدولة القومية ما زالت هي الفاعل الرئيس في الساحة الدولية، كما أن عدم التكافؤ الدولي في ظل العولمة لم يقل، إنما ازداد.