حسين بن رشود العفنان
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
ـ فرش العَرف ـ
ألم تدمع عينك، ويقشعر جلدك، حين شنفت سمعك هذه الأبيات؟!
مغيب الشمس يا أمي = بجانب تلنا الأخضر
أنا واعدتي أصحابي = هناك الموعد الأكبر
سنسقي حلم فرحتنا = ونزرع دربنا عنبر
تواعدنا لكي نمضي = لقد عفنا الذي كنا
كرهنا الواقع المخزي= أنفنا أننا عشنا
على الحرمان نمضغه= بلا حول ويطحننا
ألم تنتشر في نفسك العزة، وتضيء في جوانحك الأنفة، و تتباشر أعضاؤك، وتتهلل قسماتك، حين وقعتَ على هذه الكلمة ؟
مغيب الشمس يا أمي= متى ليل السُّرى يولد
سألقى جمع أصحابي= رفاق كفاحنا المجهد
وبين ذراعنا الرشا= ش قد أرغى وقد أزبد
لنزرع دربنا المحزو= ن أثوابا من العسجد
ونمحو بؤس تاريخ= تلفع بالأسى الأسود
ألم يرتفع حجاب قلبك، وجلباب سمعك، لهذه المفردة؟
تواعدنا سنمضي نحـ=ـو رحلتنا ولن نضجر
لنكسر باب غربتنا=فيشرق صبحنا الأنور
يسابق زحفنا أمل=كمثل ربيعنا أزهر
بأن الحق يرجعه=زناد غاضب يزأر
ومن لا يعرف هذه اليتيمة، التي سارت مسير الشمس،و طارت بين الشرق والغرب، وحين أنشدت بصوت المنشدين القديرين أبي عبد الملك وأبي علي ، تكشف جمالها وتبرج حسنها!
واعلم ـ أيها القارىء الكريم ـ أنه أنشأها وهو في شرخ شبابه، وميعة عمره ،على رأس العشرين، وهذه آية من آيات إبداعه!
ومن رام هذه المنيفة كما شُيّدت فسيجدها تامة في (مختارات من شعراء الرابطة 343 ـ 346 تحت عنوان الموعد الأكبر)
صاحب هذا الموعد هو القائل: أنا لا أهتم كثيرا أن يكتب هذا الأديب أو ذلك قصيدة شعر عامودي ، أو حر ، أو نثر شاعري ، أو ما شاء من ضروب القول ، فذلك حكمه للذوق والتاريخ ومعايير الفن ، ولكني أهتم كثيرا ، ولا أطيق السكوت إذا رأيت ـ باسم التحديث ـ من يهدم عقيدتي ، ويسخر من ديني ، ويستأصل لغتي وتراثي. ( من صيد الخاطر112)
وهو مصنف (الحداثة في الشعر العربي المعاصر، حقيقتها وقضاياها، رؤية فكرية وفنية) الذي قال عنه الشيخ الدكتور سعيد الغامدي: وهو من أحسن الكتب التي تناولت موضوع الحداثة من زاوية فكرية اعتقادية... (الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها 1/ 22)
وهو الذي دعا في كتابه البليغ (مقالات في الأدب والنقد ص 112 ـ 115) إلى الدعاية للأدب الإسلامي فقال ـ أتم الله عليه الفضائل ـ:
...ونصرته تكون بإذاعته ما استطاعوا ، والترويج له بكل الطرق التي يملكونها، حتى يكفلوا له ضربا من الذيوع ، مهما يقل فيه فإنه خير من الموت في المنفى وأقبية النسيان. وهذا واجب نقاد المسلمين وأدبائهم وصحفييهم ومفكريهم وأساتذتهم وإعلامييهم...وعلى هؤلاء جميعا أن يتظاهروا للدعاية لأدباء المسلمين المخلصين الشرفاء ، بالكتابة عنهم، والتعريف بهم وبمؤلفاتهم، ومساعدتهم على نشر إنتاجهم ، وتمكين هذا الأديب من أن يصل إلى أكبر عدد من الناس ، وأبعد مساحة من الأرض).
ثم يقول ـ ثبته الله على الخير والعز ـ:
إن كثيرا من الباحثين المسلمين ما زالوا مشغولين عن أدبهم ، وإلا أ فليس من العجب أن نرى العديد منهم منصرفا إلى إعداد الدراسات الأدبية أو النقدية عن شاعر ماجن ، أو كاتب منحرف ، أو مفكر عدو لله ورسوله ، و يهمل عشرات من أدباء المسلمين ومفكريهم ، وأصحاب الكلمة الطيبة النبيلة؟
كم دراسة أعدها المسلمون عن امرئ القيس، وأبي نواس ، وبشار بن برد ، وبدر شاكر السياب ، وصلاح عبد الصبور ، ومحمود درويش ، وطه حسين ، وإحسان عبد القدوس ، ونجيب محفوظ وأمثال هؤلاء !
وكم دراسة أعدوا في المقابل عن حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، وعلي الطنطاوي ، ونجيب الكيلاني ، وعلي أحمد باكثير ، وعمر باء الأميري ، ويوسف العظم، وغيرهم من أصحاب الكلمة الطيبة الشريفة؟)
وقد صدق ـ حفظه الله تعالى ـ فكم عرفتُ من المغنين والممثلين و اللاعبين والأدباء المنحرفين وغيرهم من خُشارة الناس، قبل أن أعرف نجيب الكيلاني، و عمر الأميري، وحلمي القاعود، وعبد العزيز الخويطر ،وعدنان النحوي، ومحمد ابن حسين، وعماد الدين خليل...وغيرهم وغيرهم ممن لا تلحقهم يد ! وليس هذا لفن الأدب فحسب!
بل لفنون المسلمين الأخرى فقد غيبها الإقصاء،ودفنها الإبعاد!و يكفيك أن تشاهد برنامج (الأعلام) التي تبثه قناة (المجد) الحبيبة، فتعرف قدر جناية الإعلام ،إذ أخفى حياة علماء أجلاء أفنوا حياتهم ،وقضوا أيامهم في الإصلاح والخير، والمؤلم أن منهم عصري لك!