الدميني .. في كتابه الأخير
سليمان بن صالح الخراشي
أرجو أن لا يتعجب القارئ من اجتماع"الشيوعية"و"الليبرالية"في شخص واحد ؛ لأننا في زمن تحولات من يسمون بالمثقفين العرب من أقصى اليمين - إن كان يمينًا حقًا - إلى أقصى اليسار ، فينما ترى الواحد منهم يساريًا يترنم بـ"متون"ماركس وصاحبه ، إذا به عن قريب يتحول إلى داعية من دعاة العولمة والأمركة ! فهم كما قيل:
يومًا يمانٍ إذا لاقيتَ ذا يمنٍ *** وإن لقيتَ معديّا فعدناني
-والأعجب من هذا أن الجميع - مهما تنقل أو تحول أو تناقض - يدعي"الإصلاح"! وقد أخبرنا تعالى في كتابه عن إصلاحين: إصلاح المفسدين ، وإصلاح الأنبياء وأتباعهم . وتفصيله في هذا الرابط.
والبعض للأسف يغتر بما يراه من إصلاح ضئيل عند المفسدين في مجال"المال"، ويتغافل عن"انحرافات"بل"كفريات"تخفيها دعواتهم البراقة . وإسلام مع شيئ من"الأثرة"خيرٌ من"إصلاح مالي"- موعود ! - مع"كفر"و"علمنة".
-ويجد القارئ في كتاب"خيانة المثقفين"للدكتور عبدالحكيم بدران نماذج محزنة لهؤلاء . وأقول"محزنة"لأن معظمهم من أبناء المسلمين الذين بحثوا عن سعادتهم في الاقتيات على موائد الشرق والغرب ، راضين أن يكونوا مجرد"وكلاء"له ، فرارًا من دين الله الذي ارتضاه لهم ، وجعله سبب فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة . ولو عملوا بقوله تعالى: ( ففروا إلى الله ) لارتاحوا وأراحوا . ومن كان منهم من أهل هذه البلاد فيا حسرته عندما يفرّط في نعمة الله التي أتته بيضاء نقية كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان البعضُ يعذر مثقفي البلاد الأخرى الذين ضاقت عليهم الخيارات حتى غدت: إما العلمنة أو الصوفية الخرافية ، فما عذر أصحابنا ؟ سوى التقليد و"تكلف"المعاناة محاكاة للآخرين !
لقد قدِم الدميني"ابن القرية الجنوبية الهادئة"- بعد الثانوية - إلى المنطقة الشرقية للدراسة في جامعة البترول والمعادن ، فكان الاحتكاك الأول بمجتمع"أرامكو"المنفتح ، حيث"السينما"و الاختلاط .. الخ مما أصابه بصدمة حضارية ! أثرت على توجهه إلى هذه الساعة ، وجعلته"صيدًا"سهلا للمتربصين . يقول الدميني:"هزتني تجربة الحياة الجامعية الاجتماعية في تلك السنوات الغنية من عمر تجربة كلية البترول والمعادن ؛ فخرجت من ثيابي القروية" ( أعلام الأدب العربي المعاصر ، كامبل ) . ثم يحكي تعرفه على أشعار أدباء الحداثة ، وتأثره بهم .
احتضن الأديب"الشيعي"محمد العلي: الدميني مبكرًا - عام 1972م - ،"ففتح - كما يقول الدميني - نافذة الشعر أمامي على العديد من الشعراء .... - إلى أن يقول - وكان لأستاذي الكبير محمد العلي من قبل ومن بعد فضيلة المطر ورائحة الماء"! ( المصدر السابق ) .
وللفائدة: من تأمل بدايات تكوين الأحزاب في عالمنا العربي وجدها تبدأ - غالبًا - من"نصارى أو يهود العرب"أو من"الأقليات الشيعية - بأقسامها -"؛ لأنهم يجدون فيها متنفسًا ومنفذًا متسترًا للوصول إلى حكم أي بلد يتشكلون فيه ، وللتمويه فإنهم يحرصون على ضم من يأمنونه من أبناء المسلمين المغفلين ، والمنخدعين بالأوهام . ( قارن بتسلط النصيريين على حكم سوريا بواسطة حزب البعث ) .
صدر للدميني كتاب صغير بعنوان"زمن للسجن .. أزمنة للحرية"يحكي فيه - بإطالة مملة - تجربته مع السجن ( مرة عندما كان شيوعيًا ومرة عندما أصبح ليبراليًا إصلاحيًا ! ) ، وتجربته في ارتباطه بما يسمى الحزب الشيوعي في السعودية ! وقد هوّل أمره حتى أوهم القارئ أنه يعيش في كوبا أو الصين ! والأمر لا يعدو أن يكون مجرد عشرات من الشباب الطامحين ، ثلاثة أرباعهم من"الشيعة"! ، ثم حديث عن دعوته الأخيرة للإصلاح ! مع نقولات مطولة للبيانات التي صدرت في السنوات الأخيرة ، تطالبُ - كما تزعم - بهذا الإصلاح . ثم ذكر التحقيق الذي تم معه ، وختم بمجموعة قصائد له . وهذه مقتطفات لفتت نظري مع تعليق موجز:
-في ص 18 يقول عن الأمن السعودي: ( إنني أتساءل عن سر نجاحهم في إلقاء القبض على أحد عشر مثقفاً من المهتمين بالشأن العام في نفس اليوم والساعة، وعن عدم نجاحهم مع الإرهابيين؟ ) ! وفي هذا لمزٌ مبطن برجال الأمن ومن يقودهم أنهم متواطؤون مع المفجرين ، والواقع يُخالف هذا اللمز .
-في ص 78 قال واصفًا أحد أئمة المساجد: ( رافعاً صوته بالبكاء تارة، وبالدعاء للمجاهدين في أفغانستان، والشيشان، وتارة بالدعاء على أعداء الأمة من الكفرة والصليبيين، ولكنه لم يتعرض ببنت شفة للإرهاب والإرهابيين في بلادنا، الذين استحلوا دماء الأبرياء من مواطنين ومقيمين ) ! وهذا الانتقاء - إن كان كلامه صادقًا - له مقاصده التي لا تخفى على القارئ .