د. عمر عبد الله
سنوات الغربة التي يمر بها (جمال) خلال غربته الثانية بدت أقل صعوبة وأيسر معاشاً مما توقع، فهو بالرغم من عيشه في هذه البلاد ثلاث سنوات من سنوات الطفولة إلا أنه تهيب من العيش في بيئة مختلفة، وحضارة مغايرة.
لكن الأمر كان أسهل وأيسر، ففي المدينة التي يدرس فيها جالية إسلامية نشطة، ونشاط دعوي مميز، أخذ من وقته، وعاش في شعوره حتى أصبح المجتمع الصغير عالمه ومحيطه، وأصبح إخوة العقيدة الذين لم يربطهم به سوى رابطة الإيمان أشقاء له لم تلدهم أمه، إن جعفر، وعبد الرحمن، وليث، وزاد الحق، ومراد... وغيرهم من إخوة الدرب قد أضاءوا سنوات الغربة بذكريات عزيزة، وأناروا الطريق الموحش بومضات جد ساطعة، كان اليوم هو آخر أيام الأسبوع الأول من الدراسة، وحينما كان جمال يهم بمغادرة الجامعة، وجد رسالة على صندوق بريده، كتب عليها (ج. برهان يود مقابلتك في مكتبه في قسم المحاسبة، غرفة رقم 121، في أي وقت بعد الظهر) حاول أن يتذكر إذا ما كان الاسم المذكور يعني له شيئاً خاصاً، لكن ذاكرته لم تسعفه، وحين كان في الوقت متسع فقد قرر أن يزور صاحب الرسالة في هذا الوقت، وحينما وصل إلى الغرفة المذكورة، طالعه السكرتير متسائلاً هل من خدمة أقدمها لك؟.
-أجاب جمال: اسمي جمال العلي، وجدت رسالة تطلب مقابلة السيد برهان بعد الظهيرة.
كانت لهجته الأمريكية التي اكتسبها خلال تواجده المبكر في هذه البلاد تجعل العديد من الأمريكان يظنون أنه أمريكي من أصل مكسيكي.
-نعم.. إن الدكتور برهان قد طلب مني أن أبلغه بحضورك.. بالرغم من مشاغله الكثيرة، يبدو أنك صديق مخلص له.
-لا أدري، فهذه المرة الأولى التي أقابله.
-على العموم، هو شخص لطيف، وهو منذ انتقاله لهذه الجامعة منذ أسابيع وهو يكسب العديد من الأصدقاء والمعجبين، إنه إنسان رائع.. لحظة من فضلك. دخل السكرتير الغرفة بينما بقي جمال يحاور نفسه ويحاول أن يتذكر مرة أخرى لعله يفلح في الاستذكار.. بدون جدوى.
-السيد برهان في انتظارك.
-شكراً.
دخل جمال الغرفة وما إن وقع نظره على السيد جمال حتى أدرك أنه يقابل وجهاً أليفاً، لكنه لم يستطع أن يتذكر ما تعنيه تلك الملامح بالنسبة له، واستفتحه بلغة عربية صافية.
-أهلاً بالسيد العلي..
أنا جميل برهان، أعمل حالياً رئيسا لقسم المحاسبة في الجامعة، ربما أنك لا تعرفني، كان منظره يوحي برؤية إنسان أمريكي تماماً، لا يدل على كونه عربياً سوى اسمه، ولغته العربية المحكية بلهجة فلسطينية.
-حقيقة إن وجهك مألوف بالنسبة لي، لكني لا أستطيع أن أتذكر أين رأيتك، ومَن تكون!.
-حتى بالنسبة لي فأنا أجد صعوبة بالغة في التعرف عليك، بالرغم من معرفتي القديمة بك؟ - بي.. أين.. ومتى؟ ! ضحك جميل برهان حتى بدت أنيابه.
-منذ زمن طويل، وطويل جداً، لكن دعني أعطِكَ إشارة مساعدة، لقد عشت وقتاً طويلاً في أن (آربر) ، وبالتحديد قبل خمسة عشر عاماً...
فهل تساعدك هذه الإشارة؟ - ربما، فقد عشنا في نفس المكان وأنا طفل، في نفس الفترة تقريباً.
-حسناً، أنت في الطريق الصحيح، وربما أنك لا تذكر صديقاً لوالدك كان يدرس معه في نفس القسم، يحمل نفس الاسم؟ - لا أذكر.
-كنت أتوقع ذلك، يسرني أن أقول لك إن أباك إبراهيم العلي كان من أعز أصدقائي، في تلك الفترة على الأقل، لقد كان رجلاً ودوداً وكريماً معي، بالرغم من عدم اتصالنا ببعض لفترة طويلة..
طويلة جداً.
-لكني لا أزال أذكرك، وأنت طفل صغير، حينما كان أبوك يدعوني في أيام ذلك الصيف في حديقة منزلكم لنتناول الحديث، ونتناسى الهموم.
-لا أذكر، فقد كان لأبي الكثير من الأصدقاء، وكنت في تلك الفترة أعيش فترة الطفولة باستغراق جميل.
-لقد دهشت حينما رأيتك فبالرغم من معالم الشبه بينك وبين أبيك: فإنك تبدو مختلفاً في المظهر على الأقل.
-ربما... أدرك جمال ما يعنيه الدكتور برهان، فلحيته المعفاة كانت علامة مميزة في محيط الجامعة.
-وماذا تدرس الآن في هذه الجامعة؟ - أحضّر الماجستير في الهندسة النووية.
-جميل.. رائع.. وهل أنت متأقلم في هذه الجامعة والمدينة؟.
-نعم.. فالأمور تجري بشكل جيد.
-جميل.. إنني أشعر بلذة في اجترار الماضي، أليس ممتعاً أن تستعرض تلك الأيام الحلوة مع شخص عاش ذات الظروف.
-نعم، خصوصاً إذا كان يحمل نفس الهموم والآلام.
التقط، د. برهان الحديث، ورد بلهجة استرجاعية مسترخية.
-نعم، كم كان جميلاً لو أن إبراهيم كان معنا، لقد كان - كما قلت ووصفت - صديقاً رائعاً تقاسمنا الهموم والآلام سوياً، كانت المرحلة التي نحياها مرحلة شباب وزخم، وقد التقينا في صيف عام 1966م، كنت وأبوك نعيش حالة من الفرح الكاذب والأمل الواهم، كانت أمريكا تغرق تدريجياً في وحل فيتنام، فنرى في ذلك هزيمة لروح التسلط التى كانت تمارسها هذه البلاد بوقاحة في تلك الأيام، وننام ونصحو على شعارات قرب زوال الظلم، وإلقاء (إسرائيل) في البحر، ولا تسأل اللاجئ الذي كان يضع رهانه على تلك الدول ولا الشباب المتأثر بالناصرية كإبراهيم، والذي رأى فيها حلم شبابه.