أ.د. نادية محمود مصطفى
منذ أن تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية للهجوم وهي تستعد للرد. وخلال العشرة أيام الأخيرة (11/ 21-9-2001) تبلورت هذه الاستعدادات في شكل جهود كثيفة لتشكيل ما يُسمى"التحالف الدولي". وتشير متابعة هذه الجهود إلى أن الولايات المتحدة تقرع طبول حرب حضارية شاملة.
فإذا كانت الهجمات على الولايات المتحدة بمثابة أكثر الأحداث أهمية منذ نهاية الحرب الباردة، فإن عواقب هذه الهجمات ستؤثر بعمق على النظام الدولي، وستمثل ساحة مصيرية لاختبار الأبعاد السياسية للنظام الدولي وإعادة تشكيلها، وعلى رأس هذه الأبعاد قيادة الولايات المتحدة للتحالف الغربي، ودورها العالمي كقوة عظمى وحيدة، ووضع الأمة الإسلامية (شعوبا وأنظمة) في ظل هذه القيادة؛ حيث يرجح أن الأمة هي الطرف الأساسي المستهدف بهذه الحرب.
ويمكن تحليل هذه الأبعاد من خلال ثلاثة محاور متراكمة مترابطة، وهي:
البعد الثقافي الحضاري في إدراك الغرب لمصادر التهديد التي جسدتها الهجمات.
مغزى الجهود الأمريكية المحمومة لتكوين ما يُسمَّى بالتحالف الدولي ضد الإرهاب.
النوايا والأهداف الحقيقية وراء استعراض القوة العسكرية الأمريكية المخيف والمثير للشكوك، ووضع هذه القوة بين الأبعاد الأخرى للحرب الحضارية الشاملة.
أولا: البعد الثقافي الحضاري في إدراك الغرب لمصادر التهديد
لم يخل الخطاب الرسمي في الغرب- على الأقل طوال العقد الأخير- من الإشارة إلى المخاطر التي تتعرض لها الحضارة الغربية، الناجمة من أوضاع الجنوب، وعلى رأسها"الحركات الأصولية المتطرفة"، أو"الإرهاب". ومع ضرب قائدة العالم الغربي في 11-9-2001، لم يكن غريبا أو مفاجئا أن الأبعاد الثقافية والحضارية قد غلبت على الخطابات الرسمية وغير الرسمية الأمريكية والغربية عامة.
فنجد أن هذه الخطابات- سواء وردت في تصريحات رسمية، أو تعليقات وتحليلات مكتوبة ومسموعة ومرئية، وعلى رأسها أول تصريحات بورش عقب الهجمات مباشرة وتصريحاته المتوالية خلال العشرة أيام الأخيرة، وخاصة في خطابه أمام الكونجرس- تصف الهجمات بأنها حرب ضد الديمقراطية والحرية؛ ضد العالم المتحضر؛ ضد قيم وقواعد الحضارة الغربية، وبأنها حرب بين الخير والشر، وبين الحرية والخوف.
ومن ناحية أخرى وصفت هذه الخطابات الحرب الجاري إعدادها بأنها حرب القرن الحادي والعشرين لحماية الحضارة الإنسانية ضد أعدائها؛ حرب ضد كل من يرفض قيم الحضارة الغربية ومبادئها في الديمقراطية والحرية؛ حرب ضد عدو جديد بدون وجه وبدون حدود.
مَن إذن يمثل مصدر هذه التهديدات؟ وإلى مَن تتجه الحرب الشاملة ضد الإرهاب؟
فصل تكتيكي
بالرغم من التأكيدات الرسمية الأمريكية والغربية على أنه لا يجب الخلط بين الإسلام والإرهاب، أو بين المسلمين والعرب وبين الإرهابيين، فإنها لم تكن إلا تأكيدات ذات طابع تكتيكي تحركها دوافع عدة، على رأسها القلق تجاه قضية الاندماج الداخلي، سواء في المجتمع الأمريكي أو بعض مجتمعات أوروبية؛ ومن ثم الحاجة إلى تأمين التماسك خلال الأزمة.
ومما لا شك فيه أن قضية التعددية الثقافية والدينية في هذه المجتمعات قد زادت أهميتها وخطورتها في الوقت نفسه، خوفا من أن تصبح مصادر التهديد من الداخل، وليس من الخارج فقط، وخاصة في ظل التساؤلات حول التحديات التي ستفرضها الإجراءات الأمنية والاستخبارية الجديدة على الطابع المدني الديمقراطي لهذه المجتمعات.
ومن ناحية أخرى، كانت هذه التأكيدات تمثل مخرجًا لبعض النظم العربية والإسلامية التي لا بد من تعبئة مشاركتها في التحالف الدولي لتوفير غطاء شرعي عربي وإسلامي لهذه الحرب الجديدة.
وبالرغم من هذه التأكيدات، وجدنا أن العرب والمسلمين هم المتهمون الأساسيون منذ البداية وقبل أن تكتمل التحقيقات وتعلن النتائج. وتثير هذه التحقيقات كثيرًا من علامات الاستفهام في ظل التخبط الذي يحيط بقائمة المشتبه فيهم التي تم الإعلان عنها، وفي ظل استبعاد المراقبين ووسائل الإعلام الغربية، مناقشة احتمالات أخرى حول منفذي الهجمات ومدبريها، والمقصود بذلك بالطبع قوى أخرى، مثل: ميليشيات اليمين المتطرف الأمريكي؛ منظمات الجريمة المنظمة والمخدرات، والموساد… إلخ.
إسرائيل جزء من المنظومة الغربية
وفي المقابل، نجد أن إسرائيل تجتهد لتتطابق مع المعسكر المهدد؛ أي معسكر العالم الحر، الديمقراطي، المتمدين، ولتأكيد أن الصراع العربي- الإسرائيلي ليس مسئولا عن تصعيد العداء للولايات المتحدة، وأن إسرائيل عرضة لـ"الإرهاب الفلسطيني الإسلامي"مثلها مثل الغرب، وأن العرب والمسلمين مصدر التهديد الأساسي للغرب، ناهيك بالطبع عن استغلال ضباب نيويورك وواشنطن لتصعيد العدوان على الشعب الفلسطيني، وانتهاك ما تبقى من ملامح الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة.
هل يعي المسلمون ما يجري؟