سهلت ثورة الاتصالية تعارف الحضارات
فأما عن حتمية اتصال الحضارات فشيء لا يستطيع إنكاره أحد، بل إن سنة الله جل وعلا في الوجود اقتدت أن يقوم الكون على سنة التدافع. يقول تعالى:"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" (سورة البقرة، الآية: 251) ، ويقول تعالى:"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا" (سورة الحج، الآية:40) .
وأما عن وجوب عدم المغالاة في نتائج الدراسات التأثيرية في بعض جوانب المقارنة فلأنها ليست يقينية، وإنما هي اجتهادات في فهم ظروف الاحتكاك بين الأمم وطبيعة تلاقح المعارف والقيم والمفاهيم. وهذا يقودنا إلى معرفة ما يمكن أن يكون من ثوابت الفكر التي يجب أن نلتزمها، وما يمكن أن يكون من المتغيرات التي تقبل التطوير والتبديل.
ولأن"التشابه في الأحكام القانونية، أو في غير ذلك من النظم المختلفة أمر طبيعي بين الأمم جميعًا، لا فرق بين المسلمين والرومان أو غيرهم من الأمم والشعوب المختلفة، ونجده ماثلاً واضحًا في الفلسفة ومناحي التفكير عامة. لا نستطيع - لمجرد هذا التشابه - الزعم بأن هذه الأمة هي التي أخذت عن تلك وليس العكس، بل قد يكون مرجعه إلى ما نعرف من أن العقل الإنساني السليم يتشابه في كثير من ألوان التفكير، دون حاجة لتفسير هذا الشبه بالأخذ والتقليد، وكل هذه أمور بدهية لا تحتاج في فهمها وتسليمها إلى عناء من التفكير" (12) .
ويمكن التعبير عن ذلك بأن التشابه بين نظامين قانونيين في بعض القواعد لا يدل على أن أحدهما قد اشتق من الآخر، ولا على أنه قد تأثر به على وجه اليقين، بل ربما يدل على أن المجتمعين المحكومين بهذين النظامين القانونيين قد وصلا إلى درجة واحدة من المدنية والحضارة (13) .
ومن عجب أن الغربيين يستخدمون هذا المبدأ لصالحهم فقط، فإنه إن سبق تشريعنا الإسلامي السماوي - وهو سباق دائمًا لكل خير - تشريعهم الوضعي بصورة جليه قالوا:"إن التشابه محض اتفاق في الاجتماع البشري، وإن بدا تشريعهم الوضعي في جانب من جوانبه متطورًا أكدوا أن الحضارة الغربية هي التي أنتجته من بنات أفكارها وبعرق أبنائها العباقرة في زعمهم."
وأخيراً: فإن قدرًا ليس بالقليل من الثوابت المرجعية تبقى حجر الزاوية في بناء أي حضارة ذات شخصية متماسكة متميزة، لا تستطيع الانخلاع عنها وإن أرادت، فالذوبان في الآخر أو القبول به مستعمرًا على المستوى الحضاري نوع من أنواع انتحار الحضارات بغير دم أو سكين.